السيد محمد الصدر
478
تاريخ الغيبة الصغرى
إلا أن الزمان كلما امتد بدون توجيه سماوي ، ضعفت هذه الحنيفية ، وقلّ عدد المؤمنين بها ، وتحول المجتمع تدريجيا إلى الأسلوب الكلاسيكي للكفر يومئذ وهو عبادة الأصنام ، خلال القرون الأخيرة . وأما نبوات بني إسرائيل ، فهي - بالرغم من عالميتها - لم تستطع أن تصل إلى تلك المنطقة ، حال صفائها ونقائها « 1 » . وإنما تسرّب اليهود بالتدريج إلى أرض العرب بعد السبي البابلي وربما بعد المسيحية . والمهم انهم لم يصلوا هناك إلّا بعد خروج مجتمعهم عن طاعة شريعتهم الأولى وانحرافهم الذي عرفنا معامله . ومن ثم لم يكونوا يستطيعون ان يعلنوا كلمة الحق هناك ، كما لم يستطيعوا ان يقولوا أي كلام مقنع للذهن العربي ، بعد افتضاح حالهم في ذلك المجتمع . وقد شاء الخالق الحكيم أن يخطط لاتصاف هذا المجتمع بالسذاجة والجهل من الناحيتين الفكرية والتشريعية ، لكي يكون أرضا صالحة لوجود الشريعة العالمية الجديدة ؛ فهي : أولا : تنتظر المصلح والمعلم الجديد ، باعتبار ما عانته من جهل وإرهاق . ثانيا : لا تحتوي على فكر معاكس يمكن أن يكون عائقا ، ولو موقتا ، للفكر الاسلامي الجديد . وهذه بعض الدوافع التي حدت بالتخطيط ايجاد الاسلام في الجزيرة العربية دون غيرها ، وستأتي الدوافع الأخرى مما يمكن التعرف عليه ، في عرضنا للتخطيط الثالث إن شاء اللّه تعالى . وبالرغم من تعدد الاتجاهات العقائدية في ذلك المجتمع ، فإنه اختير إنزال ( الأطروحة العادلة الكاملة ) من خلال الخط الحنيفي الذي كان يمثله النبي ( ص ) وبعض أسرته وقليل آخرون . . . وذلك : إقرارا لهذا الخط ومباركة له ، بصفته الخط الذي أسسه إبراهيم الخليل عليه السلام : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا « 2 » . هذا ، وقد كانت البشارات بوجود النبي الجديد ( ص ) موجودة ومعروفة في
--> ( 1 ) أما في العهد الأول ، أعني بعد الخروج من مصر ، فلبعد الطريق وصعوبة الوصول . وأما بعد ذلك فلاشتغال دولتي اليهود بالخلافات والبعد عن التعاليم الأصلية والدعوة الدينية . مضافا إلى شعورهم آنئذ بالأهمية القبلية ، وحصر دينهم في هذا النطاق . ( 2 ) آل عمران 3 / 68 .