السيد محمد الصدر
471
تاريخ الغيبة الصغرى
الخالق الحكيم . الاعتراض الثاني : لا شك ان التطور المدني يعمق الفكر البشري ، ويفتح أمامه جوانب جديدة لم يكن ملتفتا إليها قبل ذلك ، وهذا العمق بدوره يشارك في قابليته لفهم المستوى التشريعي والأخلاقي الجديد الذي يبشر به خط الأنبياء . وهذا معناه : ان كل مستوى ( نبوي ) يحتاج إلى مستوى مدني سابق عليه ، كما يحتاج تماما إلى مستوى نبوي سابق قد تم إنجازه وإنجاحه . ومن هنا ننطلق إلى هذا الاعتراض ، إذ قد يكون إيكال البشرية إلى فكرها الخاص في التطور المدني ، قد يجعل المستوى المدني منفصلا عن المستوى ( النبوي ) المطلوب . بمعنى ان البشرية قد تكون ناضجة نبويا وتستحق بهذا الاعتبار خطوة نبوية جديدة ، ولكنها قد تكون فاقدة للمستوى المدني الذي عرفنا أنه يكون ضروريا لفهم الخطوة الجديدة ، فتكون الخطوة النبوية الجديدة متعذرة ، ومن ثم يكون التخطيط معاقا . وإذا تم هذا الاعتراض ، كان معناه : ان من الضروري لكل نبوة ، أن تخطط - إلى جانب مهمتها الخاصة - لتطوير الجانب المدني ، بحيث تساعد الفكر البشري للوصول إلى المستوى المطلوب عند إنجاز هذه النبوة مهمتها الخاصة ، والحاجة إلى بناء جديد . الاعتراض الثالث : ان الأطروحة الكلاسيكية الدينية لابتداء البشرية ، تفترض - كما عرفنا - ابتداءها من زاوية قوة ووعي ، وان أول بشري وجودا هو نبي ناجز علميا وأخلاقيا وإخلاصا ، وقد حاولنا فيما سبق مناقشة فحواها العام . ولكنها لو صحت تماما ، لكان معنى ذلك ان البشري الأول : آدم عليه السلام ، هو الذي قام بتعليم أولاده وزوجته الجانب المدني الضروري للحياة ، إلى جانب التربية التشريعية والأخلاقية . الاعتراض الرابع : ان القرآن الكريم ينسب إلى بعض الأنبياء المشاركة في الجانب المدني ، فمن ذلك : صنع نوح ( ع ) للسفينة ، وصنع داود ( ع ) اللّباس والدروع ، وصنع الجن لسليمان ( ع ) القدور الضخمة والجفان الكبيرة ، ويمكن نسبة الصنع إلى سليمان نفسه بشكل وآخر . ولا حاجة إلى الاستشهاد بالآيات بعد وضوحها وتوفرها للقارئ بسهولة . ولا نعدم من السنة والتاريخ دليلا على هذا وغيره ، مما هو غير خفي على المتتبع ، مما يطول بنا المقام في سرده .