السيد محمد الصدر

460

تاريخ الغيبة الصغرى

كما أن من أوائل المؤمنين : السحرة الذين كان له معهم صراع سحري عجيب ، خرج موسى عليه السلام بنتيجته فائزا ، وأصبح السحرة مؤمنين ، بالرغم من السيف الفرعوني القاطع . وهي حادثة تشترك التوراة مع القرآن في نقلها . ولم يكن السحرة من بني إسرائيل . وقد كان موسى عليه السلام ، يقبل - بكل تأكيد - كل مؤمن به من أي قبيلة كانت . وبعد عبوره بالمؤمنين من مصر إلى أرض فلسطين ، قام بدعوة واسعة بين القبائل والحاكميات التي كانت موجودة في الشرق الأوسط ، وقاتل العديدين ممن أعلنوا الكفر والعصيان ، وقد بقي على ذلك خلفه الأمين النبي يشوع أو يوشع بن نون عليه السلام . وقد نطقت التوراة هذه الأمور مفصلا . على أن بني إسرائيل أنفسهم كان حظهم سيئا من ناحية الطاعة ، فلاقوا النقمة ونالوا العقاب ، كأي شعب آخر . وأوضح وأقوى عقاب نالوه في زمن موسى هو التيه أربعين سنة في الصحراء . وهذا كله دليل الدعوة العالمية ، وإن لم تكن مسماة في لسان موسى عليه السلام بصراحة ، وإن المهم هو الايمان والطاعة للّه عز وجل ، وبالنتيجة الانسجام مع الأهداف الكبرى مع غض النظر عن الرأس والجنس . وقد كان للتركيز القبلي في دعوة موسى عليه السلام مصلحتان مهمتان : الأولى : الانطلاق من الواقع الذي لم يكن يستسيغ فكرة العالمية . وإنما بدأ عليه السلام بالواقع وحاول رفعه - بمقدار الامكان - إلى المستوى الواسع . الثانية : إن شعب إسرائيل كان في أول الدعوة الموسوية وقبلها مضطهدا مقهورا من قبل الحاكم الظالم فرعون . ومن هنا كان التأكيد على النقطة الرئيسية لظلم وتعسف الحكم الفرعوني ، يقتضي التركيز على بني إسرائيل بصفتهم أشد الناس ظلامة في ذلك العصر . وقد كان إعطاء الفكرة الصريحة عن الظلم الفرعوني ضروريا للدعوة الموسوية ، لأجل ترسيخها في النفوس وكسب المؤمنين بها إلى أوسع نطاق ممكن خارج القبيلة أيضا . وأما في الأعوام المتأخرة عن ذلك ، فقد بقي فضل بني إسرائيل مقترنا بالطاعة ، ومنعدما عند الانحراف والعصيان وهذه التوراة طافحة بتهديدات موسى عليه السلام ومن بعده من الأنبياء بالويل والثبور لبني إسرائيل إذا اتخذت طريق التمرد