السيد محمد الصدر
447
تاريخ الغيبة الصغرى
إن هذا التخطيط سرى في البشرية كلها ، وأخرجها جميعا من القصور إلى الوعي ، ولا يوجد الآن ولم يكن يوجد في عصورنا الماضية هذه ( الحلقة المفقودة ) وهي الانسان القاصر ، إلا إذا كان قاصرا بصفته الفردية . نعم ، اختلاف الجماعات وتباعد أمكنتها ، يؤثر في أسلوب هذا الوعي الجديد ، فاللغة قد تختلف وأسلوب السكنى والمأكل والعلاقات قد تتعدد ، إلا أن النتيجة المتوخاة ، وهي الوعي أو القدرة على التفكير أصبحت صفة للجميع . - 7 - من هنا نعرف أن قدرات الانسان وصفاته الذاتية استطاعت أن تنمو بتفاعلها مع الطبيعة ، بدون أن يكون لوسائل الانتاج أثر مهم في ذلك ، غير كونها كأحد العناصر الأخرى التي تؤثر في التجربة البشرية عموما . وبطبيعة الحال ، لم يكن هناك بين الأفراد علاقات إنتاج معينة ، وإنما كانت أساليب الانتاج فردية وبدائية ، والعلاقات الاجتماعية واللغوية غير موجودة ، فمن غير المستطاع للماركسية أن تدعي أن علاقات الانتاج هي التي طورت المجتمع أو الناس . وهي - في عين الوقت - لا يمكنها ان تدعي أن وسائل الانتاج تؤثر مباشرة في التطور . فإنها إنما تؤثر - في رأي الماركسية - عن طريق علاقات الانتاج . فإذا كانت علاقات الانتاج منعدمة كانت وسائل الانتاج منعدمة التأثير . وقد عرفنا الأسلوب الماركسي التجريدي في عرض التاريخ البشري . . . وقد سبق أن ناقشناه . وأما ما ذكرناه خلال هذا التخطيط فواضح مبرهن ، لأن الصفات التي يتميز بها الانسان عن الحيوان نحس بها وجدانا ، وأما إنتاجها للوعي نتيجة للتفاعل مع الطبيعة فواضح أيضا ، لم ندع في هذا التخطيط أمرا خارجا عن الوجدان . وإنما لم ندخل في تفاصيل حياة هذا الانسان القديم تجنبا لأسلوب التجريد . وقد سمعنا من انجلز عند الحديث عن مرحلة ( ما قبل المجتمعات ) انه ينسب تطور البشر في ذلك الحين إلى ( العمل ) . ونحن نستطيع أن نوافقه بعض الشيء فان العمل يمثل طائفة كبيرة من التجارب التي سببت نمو الانسان ، لا ان للعمل تأثيرا مجهولا و ( ميتافيزيقيا ) في هذا النمو . وإذا كان سبب النمو هو التجربة ، لم ينحصر بالعمل ، بل تعمل كثير من الظواهر الطبيعية وعدد كبير من الصدف وكذلك مشاهدة تجارب الآخرين وأعمالهم ، في صقل هذه التجارب وتعميقها بالتدريج البطيء .