السيد محمد الصدر

438

تاريخ الغيبة الصغرى

- 9 - ولكن ما ذا بعد هذه المرحلة ؟ ! . إن البعد السحيق لها يمنعنا من استشفافها بوضوح ، ومن هنا كان فيها أطروحتان ، ذكرناهما معا في تاريخ ما بعد الظهور . نشير إليهما الآن مختصرا : الأطروحة الأولى : إن البشرية تستمر في التكامل ، من « تكامل ما بعد العصمة » . . . فإن العصمة - في مراحلها الأولى - : هي آخر مراحل الكمال الأدنى وأول مراحل الكمال الأعلى . . . والكمال لا متناهي الدرجات ، كما سمعنا ، إذن ، فهناك فرصة واسعة أمام البشرية للتكامل بعد ذلك ، ما شاء لها ربها وإخلاصها لها الكمال . وتبقى البشرية على هذا الحال ، حتى يستنفد وجودها على الأرض غرضه ، من زاوية التخطيط الكوني ، وعندئذ يحكم على البشرية بالزوال . أو بتعبير آخر : إن هذه الحياة لن توفر الفرصة الكافية للتكامل بعد بلوغ هذه المراحل العليا ، ومن هنا لزم نقل البشرية إلى عالم آخر ، تتوفر فيه فرصة الكمال الأعلى ، لتستمر البشرية في تكاملها هناك . ومن هنا تزول البشرية عن وجه الأرض ، لتذهب إلى عالمها الجديد ، ويتم انتقالها إليه في « يوم القيامة » كما سماه القرآن الكريم . وهو احدى الحلقات الرئيسية في التخطيط الكوني العام . ومن ثم نرى أن الحوادث المزيلة للبشرية عن وجه الأرض حوادث كونية قسرية ، نسمعها مشروحة في عدد كبير من آيات القرآن الكريم ، شأنها في ذلك شأن الحلقات الكونية الأخرى . وبذلك ينتهي التخطيط البشري العام تماما ، ويبقى التخطيط الكوني ساري المفعول ، ما دام للكون وجود « 1 » . الأطروحة الثانية : ان البشرية بعد ان تحقق غرضها الأعلى ، تبدأ بالتسافل مرة أخرى ، ويبدأ الظلم والفساد يشيع فيها بالتدريج . . . حتى يأتي عصر من العصور يوجد فيه جيل أشبه بالحيوان منهم بالانسان ، عقائديا وتشريعيا ومفاهيميا ،

--> ( 1 ) ولا موجب للالتزام بأن الكون ينتهي مع البشرية إذ ليس عليه دليل ديني ولا علمي . وتبعثر المجموعة الشمسية في يوم القيامة ، كما يستفاد من ظاهر القرآن الكريم ، غير ملازم مع انتهاء مجموع الكون ، كما هو معلوم . بل إن العلم أصبح يقيم القرائن على قلة أهمية الانسان في الكون ، كما لا يخفى على المطلعين .