السيد محمد الصدر
428
تاريخ الغيبة الصغرى
الوعي . وعلى أي حال ، فقد اضطررنا إلى التنازل عن صرامة الأطروحة الرئيسية الأولى ، من عدة زوايا ، بالرغم من اننا لم نتجاوز عرض المشكلة ، ولم نبتّ فيها برأي وليس هذا مجاله . وأهم ما تنزلنا عنه من مكونات تلك الأطروحة ان المجتمع لم يخلق ناجزا في وعيه ، بل كان ذلك بشكل تدريجي . ومما يمكن التنزّل عنه الآن أيضا : ان آدم قد يكون أبا للقاصرين ، لا للواعين ، كما أن النبوات لا تنحصر أن تكون في عصر الوعي ، بل تكون مناسبة لعصرها بطبيعة الحال . والمهم الذي نحتاجه في بحثنا هذا ، هو ان البشرية في عصر قصورها الذهني ، تحتاج إلى تخطيط معين لإيصالها إلى مرحلة الوعي والتفكير ، لكي يقع ضمنا في طريق تكاملها العام . وهذا هو الجزء الأول من التخطيط العام لتكامل البشرية ، ونستطيع أن نسميه بالتخطيط الأول كما سيأتي . - 4 - وحين دخل المجتمع البشري مرحلة الوعي والتفكير ، كانت الخطوة المهمة من التخطيط العام قد أنجزت ، إذ من الواضح انه بدون الوعي لا يمكن أن تتحقق نتائج ذلك التخطيط العام وأهدافه . وفي هذه المرحلة تحولت الأصوات المشوشة إلى لغة ، والفكرة الطارئة إلى تركيز والمصادفة إلى تجربة وأصبحت البشرية قابلة للتعليم بالمستوى البسيط من المفاهيم والتشريع . ومن هنا وجدت محاولات بشرية على مستوى عشائري ، وإلهية على مستوى نبوي لحل الاختلافات الناتجة عن هذا الوعي الجديد . ومن هنا يكون الخالق الحكيم قد بادر لحل الاختلافات البشرية ، عن طريق أنبيائه ورسله ، بمفاهيم وتشريعات بسيطة في أول الأمر ، ثم تعمقت وتوسعت بالتدريج . وتدل بعض المرجحات في النصوص الدينية « 1 » على أن النبي نوح عليه السلام ، هو أول من حمل شريعة بحجم واسع نسبيا إلى البشر .
--> ( 1 ) منها قوله عز وجل : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً ( الشورى 42 / 13 ) . إذا فهمنا من هذه الوصية إنزال درجة من درجات التشريع ، وخاصة وهو يعد بعد ( نوح ع ) أولئك الأنبياء الذين اقترنت نبواتهم بالشرائع . ولم يذكر نبيا قبله في هذه الوصية . ومنها : كون نوح عليه السلام من أولي العزم ، والمفهوم دينيا أن الأنبياء من أولي العزم لهم شرائع . ومنها : أمره أعني نوحا قومه بإطاعته ، كقوله تعالى على لسانه : أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ( نوح 71 / 3 ) والطاعة شاملة للعقيدة والتشريع معا .