السيد محمد الصدر

405

تاريخ الغيبة الصغرى

الحقيقة الأولى : ان بين التخطيط الكوني والقوانين الماركسية فرقا جوهريا ، هو : ان التخطيط يندرج في السبب الثاني من الأسباب الثلاثة التي ذكرناها في الفقرة الثانية من هذا العرض ، أعني أنه سبب غائي أو استهدافي كما عبرنا . على حين يندرج الديالكتيك ورفاقه في القسم الأول من تلك الأسباب أعني الأسباب الكونية الاضطرارية أو ما يسمى بالقوانين عادة . وهذا الفرق يجعلنا وجها لوجه أمام ما قلناه قبل قليل : من أن الديالكتيك لو كان صحيحا في نفسه ، لقلنا بأنه صالح للاستهداف « 1 » ، وجمعنا بينه وبين التخطيط الكوني ، باعتبار أن السببين الأول والثاني مجتمعان دائما وغير متنافيين ، كما عرفنا . ولقلنا أيضا أن قانون الديالكتيك ورفاقه مما جعله الخالق الحكيم في كونه لأجل الوصول إلى الأهداف البعيدة . فإن هذا القانون بحد ذاته ، ليس إلحاديا ، وانما قرنه الماركسيون بالإلحاد اجتهادا . نعم ، هو قانون مادي ، بمعنى أنه متعلق بالمادة ويعتبر من قوانينها ، على تقدير صحته . إلا أنه قانون غير صحيح ، كما سبق ان عرفنا مفصلا ؛ ومعه ينتج أنه غير صالح للاستهداف ، وغير ساري المفعول في الكون . الحقيقة الثانية : ان التخطيط الكوني ، خال من الاشكالات التي كانت واردة على الديالكتيك ورفاقه ، والتي فصلناها فيما سبق « 2 » . فإنها جميعا كانت منطلقة من مفاهيم خاصة بالقوانين الماركسية ، يخلو منها التخطيط الكوني تماما . الحقيقة الثالثة : ان التخطيط الكوني ، يحتوي على عدة نقاط قوة تفقدها القوانين الماركسية : النقطة الأولى : ان الديالكتيك يفسر حوادث الكون وتطورها . واما بالنسبة إلى أصل وجود الكون فالماركسيون يرون أزليته وانه لا يحتوي على حكمة وهدف بالمرة ، كما سمعنا مفصلا . واما التخطيط الكوني فهو يفسر حوادث الكون وتطورها ، بدلا عن الديالكتيك ورفاقه . . . ويفسر أيضا أصل وجود الكون ويعتبره ناشئا عن حكمة وهدف لا محالة ، وهو واضح بعد الاعتراف بوجود الخالق ، فإن الماركسيين لا يمكنهم أن ينكروا ان الخالق لو كان مطلق الحكمة والقدرة ، إذ لم يزعم أحد وجود

--> ( 1 ) أعني وضعه وسيلة في طريق الهدف . وسيتكرر هذا الاستعمال فلاحظ . ( 2 ) انظر الفصل الخاص بمناقشة الديالكتيك في القسم الثاني من هذا الكتاب .