السيد محمد الصدر

397

تاريخ الغيبة الصغرى

للكون ، لا بد أن تحدث ، وإلا كان ذلك مخالفا لفكرة استهدافه لهذه الأهداف ، ومن ثم مخالفا لحكمته وناقضا لغرضه ، وهو مستحيل بالنسبة إلى الحكيم المطلق . وقد أسس الخالق القدير القسمين الأول والثالث من الأسباب من أجل أن تكون طريقا سهلا ، أو هي أفضل الطرق ، لا يجاد تلك الأهداف البعيدة ومن هنا لا يمكن لهذه الأسباب - مع الحاجة إليها - أن تتخلف ، كما لا يمكن لها - مع عدم الحاجة إليها - أن تكون عائقا عن تلك الأهداف ، بل إن السبب الأصلح لايجاد تلك الأهداف هو الذي يأخذ طريقه إلى الوجود ، لا محالة . وقد أشرنا في رسالتنا عن « المعجزة في المفهوم الاسلامي » إلى أن الأغلب هو وقوع السببين المشار إليهما في طريق تحقق تلك الأهداف ، ومن هنا جعلهما الخالق الحكيم ساريي المفعول في كونه ، إلا أنه قد يحدث أحيانا أن تتوقف تلك الأهداف على انخرام بعض تلك الأسباب ، كالتخلف الجزئي لقانون الجاذبية مثلا ، فان انخرامها يكون ضروريا ، وبقاءها في عالم الوجود في ذلك المورد يكون مستحيلا ، بل تتبدل لا محالة إلى ما هو الأصلح لايجاد الأهداف العليا من الكون . وهذا هو الأساس الأعمق لوجود المعجزات وفلسفتها . وكذلك السبب الثالث ، وهو وعي الناس وحرية إرادتهم ، فإنه مصمم خصيصا لأجل الوصول إلى تلك الأهداف . وقد أعطي الناس حدودا معينة للنشاط تنسجم مع تلك الأهداف ، بمقدار ما هو موافق للحكمة الواقعية للأشياء . ومن ثم قلنا ، خلال مناقشتنا لقوى الانتاج الماركسية : ان اختيار الانسان لا يعقل أن يحول دون الوصول إلى تلك الأهداف ، بل إن أي فعل أو أي قول من أي إنسان ، صالحا كان أو باطلا ، ضحلا كان أو عميقا ، مؤثرا كان أو عاطلا ، واقع لا محالة ضمن الطريق الموصلة إلى تلك الأهداف . وهذا - كما أشرنا أيضا - لا يقتضي الالتزام بالجبر ، أو قسر الناس على أفعالهم من قبل الخالق ، لأن الأهداف - كما سنعرف - متوقف إنجازها على الاختيار ، فإذا ارتفع الاختيار وحصل القسر زال الطريق الأفضل إلى تلك الأهداف ، وهو خلاف الحكمة ونقض للغرض ، وهو يستحيل من الحكيم ، وسنلمع إلى فكرة عن توقف تلك الأهداف على الاختيار .