السيد محمد الصدر
202
تاريخ الغيبة الصغرى
هذه المسألة لا تزال قيد المناقشة . ولكنه واضح على كل حال ، انه طراز أصيل فريد من تنظيم اجتماعي ثابت جدا ، وقلما طرأ عليه تغير وتطور . وإن هذا يميّزه بكل حدة عن عالم البحر الأبيض المتوسط الدينامي جدا ، من حيث مقاييس ذلك الزمن » « 1 » . إذن ، فمصر والهند والصين لم تمر بنظام الرق ، وإنما مرّت بنظام آخر يختلف تماما عن عالم البحر الأبيض المتوسط عالم الرق الموجود في اليونان والرومان . فكيف صح ذلك ، وتحقق في عالم الوجود ، إذا كانت الضرورة التاريخية لتطور وسائل الانتاج ، تقتضي وجود نظام الرق على أي حال ؟ ! . النقطة الثانية : إن الماركسية لا تستطيع أن تبتّ بشيء جزمي في هذا الأمر الذي هي بصدده ، لأنها تعترف بوجود الغبار الكثيف على التاريخ المانع من الرؤية التفصيلية والذي يجعل أكثر التفاصيل تقوم على الحدس والاستنتاج الشخصي دون النقل الموثوق . ففي كتاب أصل العائلة كرر انجلز عدة مرات هذه الحقيقة ، وخاصة بالنسبة إلى النموذجين المفضّلين : المجتمع اليوناني والروماني . وإذا كان هذان المجتمعان خفيين في تاريخهما ، وهما أوضح تاريخا وأشهر من أكثر مناطق العالم ، فكيف بغيرهما من المجتمعات . ففيما يخص التاريخ اليوناني ، قال انجلز : « إن تاريخ أثينا السياسي حتى سولون ، ليس معروفا بصورة كافية » « 2 » . وقال في موضع آخر : « نحن لا نعرف التفاصيل بدقة » « 3 » . وفيما يخص التاريخ الروماني قال : « وبسبب الظلام الكثيف الذي يلفّ تاريخ روما الأسطوري البدائي - وهو ظلام شدّده كثيرا ما بذله علماء القانون المتأخرون الذين تشكّل مؤلفاتهم مصادرنا من محاولات لتفسير التاريخ بطريقة براغماتية عقلانية ، وما قدّموه من أوصاف وعروض بالطريقة ذاتها - يستحيل قول أي شيء دقيق » « 4 » . وإذا كان التاريخ مجهولا ، والظلام كثيفا ، والقول الدقيق متعذرا ،
--> ( 1 ) المادية التاريخية : كوفالسون ص 128 . ( 2 ) أصل العائلة ص 144 . ( 3 ) المصدر ص 149 . ( 4 ) المصدر ص 169 .