السيد محمد الصدر

154

تاريخ الغيبة الصغرى

( الإباحة ) والتخيير في الأفعال موجود فيها أيضا على نطاق غير قليل . ومن هنا لم تصلح القضايا الأخلاقية وحدها أن تكون رصيدا لقانون متكامل . لكننا إذا فهمنا من الأخلاق ما يفهمه الناس عادة من كونها عبارة عن آداب المجاملة وحسن الصحبة في العلاقات . . . فالأخلاق بهذا المعنى لا تمثل - دائما - الشعور العملي العام . بل هي كالقانون ، تنشأ من هذا الشعور تارة ومن المصالح الشخصية أو المذهبية أو الحزبية أو القومية أحيانا ، كما تنشأ من التقاليد ومن الخرافات أحيانا أخرى . وهي لا تكون على صواب ما لم تنشأ من الأساس العام الذي تبتني عليه الأخلاق بالمعنى الأول . ومن هنا ينشأ التسيّب والانحراف في المجتمعات ، فيحترم من لا يستحق الاحترام ويحتقر من لا يستحق الاحتقار ، ويؤخذ البريء بذنب المجرم ، ويتباطأ الناس في قضاء حاجة المحتاجين ، بل لا يبقى للانسان قيمة ، وتكون المصلحة الضيقة أعلى من كل قيمة ، إلى آخر قائمة الظلم والانحراف . والمعنى الأول للأخلاق ( مطلق ) الصحة غير قابل للتبدل ، وان أوضح دليل وجداني عليه ، هو تسالم البشر على صدق القضايا الأخلاقية الأساسية ، لا يختلف فيه جيل عن جيل ومجتمع عن مجتمع وطبقة عن طبقة . بخلاف القسم الثاني فإنه يختلف بالضرورة اختلافات شاسعة بين البشر . وهذه هي الأخلاق التي ذكرها انجلز وجعل اختلافها دليلا على عدم صدق الأخلاق صدقا مطلقا ، كما سمعنا . وهي لعمري ليست بمطلقة ، بل ولا صادقة بالمرة ، ما لم تعد إلى القضايا الأساسية التي لا يمكن أن ينالها كلام انجلز وغير انجلز بأي سوء . - 7 - وأما رأي الماركسية في الفلسفة والعلوم عموما ، الذي ذكرناه ، في الفقرة الثامنة من المفهوم الطبقي الماركسي . فهو بشموله وعموميته يعتبر طعنا في العلوم كلها ، وإدخالها في بوتقة ضيقة : طبقية وحزبية ومصلحية ، توجب الشك في معطيات كل الفلسفات والعلوم وعدم الوثوق بمطابقة أي شيء منها للواقع ، بما في ذلك الفلسفة الماركسية نفسها .