السيد محمد الصدر

125

تاريخ الغيبة الصغرى

إن الماركسية ، لم تستطع أن تؤكد بوضوح ارتباط الدين بالوجود الطبقي في المجتمع ، وإن مالت إلى ذلك كل الميل . وذلك لوجود عقبة كئودا دون ذلك ، وهو وجود الدين في عصور بشرية متقدمة جدا . وفي تلك العصور لم تكن الطبقية موجودة ، في نظر الماركسية ، لوجود المجتمع الشيوعي البدائي في ذلك الحين . إذن ، فمن المتعذر القول : بأن الدين نشأ من الوجود الطبقي . نعم ، رأت الماركسية : ان الدين أصبح - بعد وجوده - أحد الأساليب الرئيسة التي تستعملها الطبقات في الصراع فيما بينها : قال انجلز : « إن الدين قد ولد في عصور بدائية من تخيلات الناس الجاهلة الغامضة البدائية عن طبيعتهم ذاتها ، وعن الطبيعة الخارجية التي تحيط بهم « 1 » . وقال بوليتزر عن المراسيم الدينية : « انها تعبر جميعا عن معطى معين حقيقي عن الفعل الانساني » ألا وهو عجزه النسبي الكبير في مطلع الانسانية وهو عجز أمام الطبيعة ، ذلك العجز الذي يتعلق بنمو الانتاج الضعيف . وهو أيضا عجز أمام الظواهر الاجتماعية الذي يتعلق الاضطهاد الطبقي وفقدان الأمل وضعف الوعي الاجتماعي . يعرف كل واحد منا أن على المراسيم الدينية أن تضمن النجاح والفوز « في الأعمال » والانتصار على العدو ، وأن تعود بالسعادة الأبدية . . . وهكذا تبدو الديانة كأنها وسيلة يستخدمها الانسان لبلوغ أهدافه ، وهي مراسيم تتعلق بجهل أسباب شقائه ، أو سعيه نحو السعادة » « 2 » . « إن الديانة لما كانت تتولد من الجهل فإنها تحل محل التفسيرات العلمية تفسيرات خيالية ، فتعمل بذلك على ستر الواقع وإسدال الستار على التفسير الموضوعي للظواهر ولهذا كان الرجل المتدين مناوئا لمبادئ العلم التي هي من عمل الشيطان ، لأنه حريص على أوهامه . وتستخدم الطبقات المستغلة هذه الخاصية ، لاهتمامها بإخفاء استغلالها عن أعين الطبقات الكادحة . . . فهي بحاجة إلى سلبية هذه الطبقات وجمودها ، كي يستمر اضطهادها ، كما انها بحاجة لخضوعها وإيمانها بالقضاء المحتوم ، هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى : يجب توجيه أمل الجماهير بالسعادة نحو العالم الآخر وهكذا

--> ( 1 ) لودفيج فورباخ : انجلز ص 64 . ( 2 ) أصول الفلسفة الماركسية : جورج بوليتزر وآخرين ج 1 ص 241 .