السيد محمد الصدر

81

تاريخ الغيبة الصغرى

الشكل الرابع : الخبر المتواتر عن النبي ( ص ) بألفاظ متقاربة ، من أن المهدي ( ع ) بعد ظهوره ( يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ) . وامتلاء الأرض جورا وظلما يستلزم أن أكثر أهل الأرض بما فيهم أكثر أفراد المجتمع المسلم أيضا ، أصبحوا ظالمين منحرفين . . . بحيث لا يمكن افتراض وجود مجتمع كامل باق على إخلاصه الكامل للاسلام . ومثل هذا العموم المعطى في هذا الحديث غير قابل للتخصيص والاستثناء . ومعه فوجود مجتمع أو عدة مجتمعات برمتها باقية على اخلاصها للإسلام ، يكون معارضا لذلك الخبر المتواتر لا محالة . ومهما تعارض الخبر الواحد مع المتواتر ، أخذنا بالمتواتر وطرحنا الخبر الواحد . وقد يخطر في الذهن : ان المراد من الأرض التي تمتلئ ظلما وجورا ، في الحديث النبوي ، هو الأرض المنظورة ، كما هو الظاهر من لفظ الأرض ، دون الأرض المختفية ، كما دلت عليه هاتان الروايتان . ومعه فلا منافاة بين الحديث النبوي المتواتر وبينها . وجواب ذلك : أننا عرفنا في الاعتراض الأول أن هاتين الروايتين دالتان على عدم اختفاء المدن التي تخبر عن وجودها . وإنما كان اختفاؤها رأيا لبعض الباحثين . وقد ناقشناه . ومعه تكون هذه المدن - على تقدير وجودها - من الأرض المنظورة ، فيشملها الحديث النبوي ، فيدل على عدم وجودها . وقد يخطر في الذهن أيضا : أن هذه المجتمعات وجدت مخلصة للاسلام خلال الغيبة الكبرى ، وهذا لا ينافي كونها تصبح منحرفة بعد ذلك قبل ظهور المهدي ( ع ) ليصدق الحديث النبوي الشريف . وجواب ذلك : إن هذه المجتمعات المفروضة ، قائمة على أساس الدوام والاستمرار في نظامها الاسلامي ، وغير قابلة للانحراف ، بعد الالتفات إلى كونها تحت الإشراف الدائم للإمام المهدي ( ع ) نفسه ، كما نطقت به تانك الروايتان . هذا . . . وهناك غير هذه الأشكال من الروايات الصالحة لمعارضة الروايتين ، مما لا نريد الإطالة بذكره ، وهو لا يخفى على المتتبع المتأمل .