السيد محمد الصدر
78
تاريخ الغيبة الصغرى
فإن الفرد المسلم والمجتمع المسلم ، كلما واجه التيارات الكافرة على مختلف مستوياتها ، وصمد تجاه الانحرافات الجائرة ، وضحى في سبيل دينه ، كلما يكون إيمانه أقوى وأرسخ ، وإرادته أمضى وأعظم . فاصطدامه مع الكفر والانحراف في حرب جسدية أو عقائدية ، جزء من المخطط الإلهي للتمحيص والامتحان . . . وليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حيى عن بينة . وبذلك يكون إكمال الحجة متوقفا على هذا الاصطدام ، وسنرى في مستقبل هذا التاريخ أن يوم الظهور الموعود للمهدي ( ع ) مما يتوقف على هذا التمحيص . وهذا الاصطدام إنما يحدث والتمحيص إنما يتحقق ، فيما إذا كان المجتمع ظاهرا للعيان متفاعلا مع العالم الخارجي ، دون ما إذا كان مرتاحا في اختفائه منساقا مع أحلامه . إذن فالقانون العام للتمحيص وقانون المعجزات منافيان لاختفاء أي مجتمع مسلم وانعزاله عن العالم ، ومعه فلو كان هذا المجتمع موجودا لكان ظاهرا . وحيث أنه غير ظاهر إذن فهو غير موجود . وهذا هو مرادنا مما قلناه فيما سبق ، من أن هاتين الروايتين مبتنيتان على الأساس الذي تبتني عليه الأطروحة الأولى ، وقد عرفنا الآن أنه أسوأ حالا وأشد بعدا من الأطروحة الأولى بكثير حيث برهنا على بطلان تلك الأطروحة بالاستغناء عنها بالأطروحة الثانية . وأما هذه المدن ، فكلا من قانوني المعجزات والتمحيص ، ينفيان اختفاءهما بالصرورة . وليت شعري ، لم يلتفت هذا الباحث الذي يدعي اختفاء هذه المدن الكثيرة ، إلى أن سياق الروايتين الدالتين على وجودها مناف مع هذه الفكرة : وذلك انطلاقا من نقطتين أساسيتين : النقطة الأولى : ما نصت عليه رواية المازندراني ، من أن البحر الأبيض إنما سمي بذلك لوجود ماء صاف كماء الفرات حول الجزر ، إذا دخلته سفن الأعداء غرقت بقدرة اللّه تعالى وبركة المهدي عليه السلام . فإن هذه الجزر إذا كانت مختفية عن الأنظار . كيف يهتدي إليها الأعداء . بل يكفي اختفاؤها حماية لها كما هو واضح . فوجود مثل هذا الماء الصافي - لو