السيد محمد الصدر

76

تاريخ الغيبة الصغرى

وهو يعطي تعليماته للحاكم عن طريق المراسلة ، فيما يحتاجه من البت في أمور الناس من المحاكمات وغيرها ، كما تنص على ذلك رواية المازندراني . وبذلك يكون له الاشراف المباشر على سائر هذه الدولة النموذجية ، ويبقى ذكره فيها حيا وقانونه نافذا . وتتربى الأجيال على الاخلاص له وانتظار فرجه ، وهو أمر عام بين سائر أفراد الشعب هناك إلى حد لا يكادون يقسمون إلا به في كلامهم الاعتيادي . فهذا هو الوصف العام لهذا المجتمع النموذجي الذي دلت عليه هاتان الروايتان . إلا أنهما لا يمكن أن يكون لهما جانب من الصحة على الاطلاق . وذلك لوجود عدة اعتراضات نذكر منها ثلاثة رئيسية : الاعتراض الأول : إن الكرة الأرضية الآن ، بل فيما قبل الآن مرت بعدة قرون ، قد عرفت شبرا شبرا ومسحت مترا مترا ، واطلع الناس على خفاياها وزواياها . وبالرغم من ذلك لم يجد أحد تلك المناطق ولا اطلع على وجود تلك الجزائر والمدن . ولو كانت موجودة لعرفت يقينا ، ولكانت من أهم العالم الاسلامي . إذن فهي غير موجودة قطعا . وأما الزعم بأنها برمتها مختفية عن الأنظار ، كما هو حال المهدي نفسه ، لو صحت أطروحة خفاء الشخص . . . فهو ما حاول بعض الباحثين أن يقوله « 1 » مستشهدا بسعة قدرة اللّه تعالى ، وبما روي من أن رسول اللّه ( ص ) كان أحيانا يختفي عن كفار قريش في أثناء صلاته . إلا أن هذا الاستدلال يثبت الامكان العقلي لاختفاء هذه المدن ، ولكنه لا يثبت وقوعه فعلا . ونحن نعترف بسعة قدرة اللّه تعالى على ذلك وما هو أهم منه وأوسع . إلا أننا ننفي وقوع ذلك خارجا ، ونثبت الفرق بين اختفاء المهدي ( ع ) والنبي ( ص ) من ناحية ، واختفاء هذه البلدان من ناحية أخرى . فان اختفاء المهدي ( ع ) والنبي ( ص ) إنما يتحقق لتوقف حياتهما عليه تلك الحياة المذخورة لهداية الناس واكمال الحجة عليهم ، فيتكون الاختفاء مطابقا مع قانون المعجزات ، وهو أنه مهما توقف اكمال الحجة على المعجزة أوجدها اللّه

--> ( 1 ) انظر النجم الثاقب ، ص 227 .