السيد محمد الصدر

533

تاريخ الغيبة الصغرى

مثيل في التاريخ ، ولن يكون له مثيل في المستقبل أيضا . لأن المستقبل سيكون في مصلحة نصرة الحق والعدل . ويؤيد هذا الفهم قوله في الخبر الآخر : « ليس ما بين خلق آدم إلى يوم القيامة أمر أكبر من الدجال » . والتعبير بالأمر واضح في أن الدجال ليس رجلا بعينه وإنما هو اتجاه حضاري معاد للاسلام . « وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، وأن يأمر الأرض أن تنبت فتنبت » . وكل هذا وغيره مما هو أهم منه من أنحاء السيطرة على المرافق الطبيعية مما أنتجته الحضارة الأوربية . ولا يخفى ما في ذلك من الفتنة ، فان أعدادا مهمة من أبناء الاسلام حين يجدون جمال المدنية الأوربية ، فأنهم سوف يتخيلون صدق عقائدها وأفكارها وتكوينها الحضاري بشكل عام . وهذا من أعظم الفتن والأوهام التي يعيشها الأفراد في العصور الحاضرة . وهي غير قائمة على أساس صحيح . إذ لا ملازمة بين التقدم التكنيكي المدني والتقدم العقائدي والفكري والأخلاقي . . . يعني لا ملازمة بين الجانب الحضاري والجانب المدني في المجتمع فقد يكون المجتمع متقدما إلى درجة كبيرة في الجانب المدني ومتأخرا إلى درجة كبيرة في الجانب الحضاري . . . كما عليه المجتمع الأوروبي . كما قد يكون العكس موجودا أحيانا في مجتمع آخر . « وان من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه ، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت ، وان من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت ، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه ، وأمدّه خواصرا وأدرّه ضروعا » . وهذا يعني على وجه التعيين : أن المكذب للمد المادي الأوروبي والواقف أمام تياره يمنى بمصاعب وعقبات ويكون المال والقوة إلى جانب السائرين في ركابها المتملقين لها المتعاونين معها . والتعبير بالحي يعني النظر إلى المجتمع على العموم . وهذا هو الصحيح بالنسبة إلى المجتمع المؤمن في التيار المادي ، إذ لو نظرنا إلى المستوى الفردي ، فقد يكون في إمكان الفرد المعارض أن ينال تحت ظروف معينة قسطا من القوة والمال .