السيد محمد الصدر

52

تاريخ الغيبة الصغرى

يكون إلا بالعمل المثمر والجهاد الحقيقي على الصعيدين العام والخاص . وخاصة ، وهو يأمرنا بمظاهرته أي معاونته وموافقته على إخراجنا من الفتنة والنجاة من الهلكة . فان على كل فرد مسؤولية تامة في ذلك ، ولا تنحصر المسؤولية بالقائد ، كما هو واضح ، بل أن شعوره بالمسؤولية لا يكاد يكون مثمرا من دون شعور شعبه ورعيته بمسئوليتهم تجاه قائدهم ومبدئهم أيضا . إذن ، فهو عليه السلام يحمل هم شعبه ومواليه ، يتذكرهم دائما ويعمل على حفظهم ودرء المخاطر عنهم باستمرار ، بمقدار ما يمكنه أن يؤديه من عمل ، تماما كما عرفنا عن آبائه عليهم السلام ، وكما عرفناه في خلال غيبته الصغرى . غاية الفرق أن تلك الأعمال كانت منه ومن آبائه ( ع ) بالصفة الحقيقية لهم . وأما عمله خلال هذه الفترة ، فليست بهذه الصفة ، وإنما بصفته فردا اعتياديا في المجتمع . ولكن الإمام المهدي ( ع ) يتوخى في موارد عمله وجود شرطين أساسيين ، إن اجتمعا كان في إمكانه أن يتصدى للعمل ، وإن تخلف أحدهما ترك العمل لا محالة ، وأبقى الواقع على واقعه . الشرط الأول : أن لا يؤدي به عمله إلى انكشاف أمره وانتفاء غيبته . إذ من الواضح أن المهدي ( ع ) حين يقوم بالأعمال العامة الاسلامية ، بصفته فردا عاديا في المجتمع ، يمكنه أن يستمر بها إلى حد معين ليس بالقليل . ولكنه لو لمع اسمه واشتهر صيته ، ب « شخصيته الثانوية » لكان هناك احتمال كبير في انكشاف حقيقته وافتضاح سره . لا أقل من أن ينتبه الناس إلى غموض نسبه وجهالة أصله ، فيوصلوا بالفحص والسؤال إلى حقيقته ، أو يحتملوا ذلك على الأقل ، وهو ما لا يريده اللّه تعالى أن يكون . إذن فعمل المهدي ( ع ) لا بد أن يقتصر على الحدود التي لا تؤدي إلى انكشاف أمره ، فيدقق في ذلك ويخطط له ، وهو الخبير الألمعي ويحسب لكل عمل حسابه . وأي عمل علم أن التدخل فيه يوجب الانكشاف انسحب عنه ، مهما ترتبت عليه من نتائج ، لأن انحفاظ سره وذخره لليوم الموعود ، أهم من جميع ما يتركه من أعمال .