السيد محمد الصدر
467
تاريخ الغيبة الصغرى
المقصود ، « باعتبار فشل الإفرنج واندحارهم في تلك الحروب » . لكنه أعقب نتائج نافعة لهم . منها : انهم من ذلك الوقت شرعوا في ترتيب العساكر وتعلموا بمواصلتهم المسلمين صناعة التجارة والزراعة وكثيرا من العلوم العقلية والفلكية . والفوا التواريخ النافعة وتوسعوا في معرفة علم الفلك وألّفوا فيه ، وتخلقوا بأخلاق الحضر . وتعودوا الاسفار برا وبحرا لاكتشاف أحوال الأقطار ، واكتشفوا أمريكا في أسفارهم سنة 890 هجرية ، ولم تكن معلومة لأحد قط . واكتسبوا أنواع الفروسية واللعب بالخيل والرماح . . . وتعلموا أيضا المشورة في الأحكام وعلموا أن الملك يفسد بالاستبداد وعدم المشورة فدونوا لهم أحكاما وقوانين يرجعون إليها . واستكثروا من جمع كتب الاسلام وترجمتها بلسانهم ليعلموا معانيها ، فاخذوا منها ما يكون به صلاح الملك . واتخذوا مدارس لتعليم أنواع الفنون ، وعرفوا أن الملك لا ينتظم إلا بذلك كله » . انتهى كلامه . إذن فالأساس الذي أيقظ عندهم النهضة الحديثة على ضخامتها وجبروتها ، هو ما أوجبته الحروب الصليبية من الانفتاح على العالم والشعور بالمسؤولية تجاه الرقي والتقدم ، في الاتجاه الذي فهموه وطبقوه . ونسبة الغدر إلى الروم ، باعتبار نقضهم لعهد الهدنة وإقرارهم لفكرة الحروب الصليبية . ومعنى اجتماعها هو محاولة زرع الاتفاق بين شعوبها والشعور بالمسؤولية والهدف المشترك بينهم علميا واقتصاديا وسياسيا ، كما سمعنا . ولعل أوضح وألطف عبارة رمزية يمكن أن يعبر بها على هذا الغدر والاستعمار بما يحمل من تخطيطات فكرية وعقائدية وعسكرية واقتصادية . . . ما قاله النبي ( ص ) : - برواية ابن ماجة - « فيأتون تحت ثمانين غاية ، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا » . وهذه الأرقام ليست للتحديد بل للتعبير عن مجرد الكثرة ، مع بيان اختلاف مراتبها ، فعدد الأفراد الذين يعملون تحت كل غاية أكثر عددا من مجموع الغايات . وهذا هو الذي حصل فعلا فقد جاءت أوروبا إلى الشرق المغلوب على أمره ،