السيد محمد الصدر
457
تاريخ الغيبة الصغرى
التنبؤ عن المستقبل ، وليس عاما لكل الأخبار . ومعه فهذا الخبر الذي نقلناه عن البحار لا يندرج ضمن هذا المنهج ، لأنه ليس من أخبار التنبؤ بالمستقبل . إذن فهو قابل إلى حد ما للاثبات التاريخي . وكونه مجهول الرواة لا يضر بذلك ، كما برهنا عليه في المنهج الذي أسسناه في أول تاريخ الغيبة الصغرى « 1 » . وأما المناقشة الثانية : فالمعارضة بين الخبرين ، في الواقع ، تنتج فشل الخبرين الأخيرين وسقوطهما عن قابلية الاثبات التاريخي ، وسيكتب البقاء ، عندئذ للخبر الذي نقلناه عن البحار . فإننا عند دوران الأمر بين صدق هذين الخبرين أو ذلك الخبر ، بحيث يتعين الالتزام بكذب أحدهما . . . لا بد وأن نحسب حساب القرائن المؤيدة لأحد الخبرين . والشيء الذي نريد أن نقوله ، بهذا الصدد هو : إن الجهاز العباسي الحاكم حين وجد أن هناك ارتباطا بين خروج الرايات السود وبين ظهور المهدي ( ع ) على لسان رسول اللّه ( ص ) ، كما استفاضت الأخبار عنه ( ص ) على ما سوف نسمع . . . أحبوا جعل هذا الارتباط وثيقا وقريبا ، فجعلوا هذه الأخبار الدالة على ذلك ، لتكون موحية بأن المهدي المقصود هو المهدي العباسي ، لأنه هو المرتبط والقريب من ثورة أبي مسلم الخراساني وراياته السود ، بل هو مندرج في ضمنها بشكل وآخر ، كما جعلوا الحديث دالا على ذلك . والذي يدلنا على وضع هذين الحديثين ، ما قاله صاحب الصواعق نفسه حين أوردهما . فقد أورد أولا قوله : « أنا أهل بيت اختار اللّه لنا » . . . الخ . . . وعلق عليه بقوله : « وفي سنده من هو سيئ الحفظ مع اختلاطه في آخر عمره » . ثم أورد قوله : « إذا رأيتم الرايات السود . . . » الخ . ثم قال : « وفي سنده ضعيف له مناكير . وإنما أخرج له مسلم متابعة ، ولا حجة في هذا والذي قبله ، لو فرض أنهما صحيحان لمن زعم أن المهدي ثالث خلفاء بني العباس » « 2 » . ولم يطعن ابن حجر في هذين الحديثين ، من رواية كونهما دالين على وجود
--> ( 1 ) أنظر ص 47 . ( 2 ) الصواعق ص 98 .