السيد محمد الصدر

431

تاريخ الغيبة الصغرى

السابقين أولا ، والزيادة عليها من تجارب نفسه ثانيا . وهذا ملغى لدى الشخص الذي احرز الكمال بنفسه سلفا والتفسير الصحيح للحياة ، مما يغنيه عن تجشم تلك المتاعب وقضاء الوقت الطويل فيها . . بل هو يقضي الوقت المتبقي في التصاعد في درجات جديدة عليا من الكمال . الجهة الثانية : انه يمكن ان يقال على شكل الأطروحة المحتملة : ان معاصرة المهدي ( ع ) التاريخية الطويلة ، للأجيال ، توجب له الاطلاع المباشر على قوانين تطور التاريخ وتسلسل حوادثه وما يؤثر في المجتمعات البشرية ونفوس الافراد من مؤثرات سلبية وايجابية ، مما لا يمكن التوصل إليه عن طريق آخر أصلا ، كمراجعة التواريخ المسجلة أو معاصرة الحقبة الزمانية خلال حياة قصيرة . فإن التاريخ أضيق وأعجز من أن ينقل إلينا تفاصيل الحوادث بشكل دقيق وعميق ، ولا يمكن أن نعيش من خلاله نفس الحوادث المؤرخة بشكل موضوعي خالص . . . وقد سبق أن برهنا على ذلك في مقدمة تاريخ الغيبة الصغرى « 1 » . واما الحقبة الزمانية المعاصرة لحياة الفرد الاعتيادي ، فهي أيضا أضيق وأعجز من أن تطلعه على التاريخ البشري العام . . وانما يستنتج الفرد منها أمورا بمقدار قابلياته ومستوى تفكيره وحدود الزمان والمكان التي يعيشها . فلا يقاس كل ذلك ، بمن عاصر التاريخ كله وعاش خلال تقلباته وانطلاقاته خلال عصر الفتن والانحراف ، واستطاع ان يربط الأسباب بمسبباتها . . فإنه يستطيع ان يلم بقوانين التاريخ بنظرة أوسع وأشمل ، مما ييسر له إلى حد بعيد وضع المخططات ذات التأثير الفعال في أي ميدان من ميادين الحياة ، بعد ظهوره ، بل وحتى في عصر غيبته ، بعد الذي عرفناه ، طبقا لأطروحة خفاء العنوان ، من أن المهدي يعمل - في بعض الحدود - خلال غيبته ، في مصلحة الاسلام والمسلمين . ولا يبقى تجاه هذه الأطروحة من تساؤل ، الا ما دل من الأخبار على أن الامام متى أراد أن يعلم أعلمه اللّه تعالى ذلك « 2 » . فإنه قد يقال : انه لا حاجة إلى هذه

--> ( 1 ) أنظر ص 25 وما بعدها إلى عدة صفحات . ( 2 ) أخرج الكليني في الكافي عددا منها في باب بعنوان : أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا .