السيد محمد الصدر

426

تاريخ الغيبة الصغرى

السابقة للامام لتغطية حلولها وتذليل مشاكلها ، مما يجعل الدعوة الإلهية متوقفة على ازدياد الامام وتلقيه للالهام . ويمكن أن تصبح هاتان الأطروحتان ، بعد تدقيقهما ، وجها واحدا مشتركا لتفسير هذا الأمر ، لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله . وعلى أي حال ، فقد دلت هذه الأخبار ، بكل صراحة ، على تكامل الامام ، وتزايده المستمر ، من تكامل ما بعد العصمة . لوضوح ان المراتب المسبقة لهذا الكمال ، تمثل درجة العصمة بأحسن صورها ، طبقا للفهم الامامي الذي انطلقت منه هذه الأخبار . . فكيف بالتكامل الجديد الذي يحصلون عليه . ويمكن ان يستفاد ذلك من القرآن الكريم ، من عدد من موضعه : منها : قوله تعالى مخاطبا نبيه العظيم : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً « 1 » . وهو صريح بما نريد التوصل إليه ، من حيث إن النبي ( ص ) خير البشر وأعلمهم ، ولكنه مع ذلك قابل للزيادة في العلم . منها : قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى . قالَ : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ؟ . قالَ : بَلى ، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . قالَ : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ « 2 » . فان إبراهيم عليه السلام ، ازداد بعد هذه الحادثة اطمئنانا ويقينا ، وتزايد في مراتب التكامل العليا ، بكل وضوح . فان الهدف منها لم يكن سوى حصول الاطمئنان . وقد تحقق الهدف بعد وقوعها . ومنها قوله تعالى : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ، فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ . فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ « 3 » . فقد أوجب تسبيحه في بطن الحوت له كمالا استحق به النجاة من هذا السجن الذي كان يقدر له التأبيد لو لم ينل هذا

--> ( 1 ) طه : 2 / 114 . ( 2 ) البقرة : 2 / 260 . ( 3 ) الصافات : 37 / 139 - 144 .