السيد محمد الصدر

413

تاريخ الغيبة الصغرى

واستمر الفتح الاسلامي مبنيا على هذا الأساس . . . وإنما بدأ الانحطاط والضمور ، مع الانحراف وقلة اخلاص المخلصين وعدم اندفاع المندفعين . ونرى الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، إنما يأخذ بزمام الاصلاح في الأمة الاسلامية ، حين يجد الناصرين المؤيدين ، فيناجز الناكثين والقاسطين والمارقين من القتال . ولولا ذلك ، لم يكن الجهاد لازما عليه . كما نفهمه من قوله عليه السلام : أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ، لا لقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عطفة عنز « 1 » . وإنما أخذ اللّه تعالى على العلماء ذلك ، عند قيام الحجة بوجود الناصر ، وهو عبارة عن توفر الشرط الثالث ، الذي لولاه لما وجب على القائد الاسلامي تكفل القيادة ، ولاعتزل علي عليه السلام هذا المركز الهام ، ولم يغرّه ما فيه من منزلة وشهرة ومال . وإنما أكد على توفر الشرط الثالث ، باعتبار وضوح توفر سائر الشروط في دعوته عليه السلام . وعدم وجود بوادر انخرامها إلا فيما يعود إلى هذا الشرط . فان دعوته مبدئية ذات قيادة ، وهو بشخصه القائد . . . وإنما كان عليه السلام يعاني من توفر الشرط الثالث . . . حيث نراه في العهد الأخير من خلافته يخاطب أصحابه بأنهم ملأوا قلبه قيحا ويتمنى إبدالهم بخير من صرف الدينار بالدرهم . وهذا راجع في حقيقته والتأسف من ضعف الشرط الثالث يومئذ وعدم توفره بالنحو المطلوب . . . للظروف التي كان يعيشها المجتمع يومئذ ، مما لا مجال للإفاضة فيه . وحينما يتولى ابنه الإمام الحسن عليه السلام مركز الخلافة ، والقيادة ، ويحاول مناجزة القتال للجهاز المنحرف الحاكم . . . يتفرق عنه جيشه ، ويستطيع معاوية شراء ضمائر قادته واحدا بعد واحد . حتى لم يبق للإمام ( ع ) من جيشه ناصر . . . اضطر إلى الصلح مع معاوية . . . وهذا في واقعه ، رجوع إلى المحافظة على الدعوة المبدئية بعد انخرام الشرط الثالث . . . أو الرجوع إلى التقية ، بالمعنى الذي قلناه

--> ( 1 ) أنظر نهج البلاغة شرح محمد عبده ، ط . مصر ، ص 31 وما بعدها .