السيد محمد الصدر
380
تاريخ الغيبة الصغرى
المقدمة الأولى : في إيضاح مراتب الجبر والاختيار . فإن الفرد لا تكون إرادته في كل الأفعال على حد سواء ، بل تختلف على مراتب متعددة ، تضعف في بعضها حتى تنعدم وتوجد في بعضها حتى تتضح . . . كما يبدو من المراتب الآتية : المرتبة الأولى : الجبر الفلسفي ، بمعنى أن الانسان يقوم بأعماله ، كما يصدر النور من الشمس والرائحة من الزهر ، أو كالقلم بيد الكاتب والعصا في يد الضارب . وهو أعلى درجات الجبر وانعدام الإرادة وفقدان الاختيار . ويقوم هذا الجبر على أحد أساسين : الأساس الأول : الأساس المادي . . كالقول بالمادية التاريخية ، الذي يربط التطورات التاريخية ، وجميع تصرفات الأفراد بتطور وسائل الانتاج . فالفاعل المؤثر - في الحقيقة - هي هذه الوسائل ، وليس للانسان أي يد في تغيير ما يقوم به من أعمال . وهذا واضح من اتجاه الماديين التاريخيين ، إذ لو كان للأفراد اختيار في أفعالهم ، لكانوا هم صانعي التاريخ والمشاركين في تطويره ، ولم يكن تطويره مستندا تماما إلى وسائل الانتاج ، كما قد أكدوا عليه . والظاهر أن كل المذاهب المادية ، تقول بالجبر الفلسفي هذا ، باعتبار أن القول بالاختيار اعتراف بأمر ميتافيزيقي لا يمكنهم الايمان به . على أنه يتضمن المنافاة للعلل المادية الضرورية التأثير في الانسان . . . تلك العلل التي تقدمها هذه المذاهب . الأساس الثاني : الأساس الإلهي ، بمعنى أن اللّه تبارك وتعالى هو الفاعل المؤثر في إيجاد أفعال الانسان ، إيجادا قهريا . وأشهر من يقول بذلك هم الأشاعرة من المسلمين واليهود من أهل الكتاب .