السيد محمد الصدر

378

تاريخ الغيبة الصغرى

النقطة الأولى : إن التعبير بالفسطاط وبالسيف ، إنما جاء في هذه الروايات ، مماشاة مع ما يعرفه الناس في عصر صدور هذه الروايات . وقد سبق أن قلنا في أول القسم الثاني من هذا التاريخ ، أننا يجب أن نبحث عن مصاديق جديدة لمثل هذه التعبيرات ، مناسبة للعصر الذي تتحدث عنه . فيكون المراد بالسيف سلاح الإمام المهدي ( ع ) وبالفسطاط مقره أو عاصمته أو نحوها . ومن المحتمل أن يكون المراد بالفسطاط المدرسة الفكرية ، بحسب ما نصطلح عليه اليوم أو المبدأ المستلزم لاتجاه فكري وسلوكي خاص في الحياة . والقرينة على ذلك ، ما رواه أبو داود « 1 » عن رسول اللّه ( ص ) في حديث له عن الفتنة ، قال : يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ، حتى يصير الناس إلى فسطاطين : فسطاط إيمان لا نفاق فيه . وفسطاط نفاق لا إيمان فيه . . . الحديث . فان المراد منه - بكل وضوح - المدرستين الفكريتين أو المبدأين العقائديين ، شبههما بفسطاطين لجيشين متحاربين كما كان عليه أهل ذلك الزمان . النقطة الثانية : عرفنا في الجانب الأول من الحديث عن الانتظار والمنتظرين ، نفس ما أفادتنا إياه هذه الروايات من كون الفرد الممحص الكامل أفضل من كثير من المستشهدين بين يدي رسول اللّه . كما عرفنا أنه بمنزلة المعاصرين مع المهدي ( ع ) العاملين في سبيل نصرته . وذلك التجاور المكاني والزماني ، ليس له حساب في العقيدة والعمل ، وإنما الذي يؤخذ بنظر الاعتبار هو درجة الاخلاص ، والايمان . وقد عرفنا أن أصحاب المهدي ( ع ) على درجة عليا من الاخلاص الممحص وقوة الايمان . . . فإذا كان الفرد في عصر الغيبة ممحّصا بنفس الدرجة كان مثل أصحاب المهدي ( ع ) بطبيعة الحال . إلا أن ما ورد في بعض هذه الروايات ، من أن الفرد المخلص في زمان الغيبة ، كالمستشهد بين يدي المهدي ( ع ) ، مما لا يكاد ينسجم مع القواعد إذ المفروض

--> ( 1 ) ج 2 ، ص 411 .