السيد محمد الصدر

283

تاريخ الغيبة الصغرى

حدوث ذلك ، بجعل الأخبار الثلاثة الأخرى قرينة عليه . وهذا التقييد وإن كان حملا ، يمكن أن يصح في سائر هذه الأخبار ، إلا أن واحدا منها يأباه - بظاهره - ، وهو الحديث الثاني الذي نقلناه عن البخاري ، فإنه اقترن فيه الأخبار بكثرة المال بالأخبار عن حدوث حوادث عديدة سيئة كالفتن والهرج ، وغيرهما على ما سنسمع . مما عرفنا اختصاص حدوثه في عصر الغيبة الكبرى دون عصر الظهور . إلا أن هذا الإيراد ، يمكن أن يتوجه كأشكال على هذا الخبر نفسه ، لا على هذا التقييد الأول . التقييد الثاني : أن نخص هذه الأخبار ، في صورة الاستقطاب الرأسمالي عند الدجال أو عند آخرين . فيكون المراد كثرة المال عند رجل واحد ، أو عند عدد قليل من الناس . إلا أن هذا مما لا يمكن انطباقه على شيء من هذه الأخبار ، لأنها جميعا دلت على أنه ليس هناك من يقبل الصدقة ، وهو يدل على كثرة المال عند الجميع ، لا عند البعض فحسب . التقييد الثالث : أن نقول : إن أقصى ما تدل عليه هذه الأخبار ، هو أن الناس لا يقبلون الصدقة . وما أن منشأ ذلك هو كثرة المال فلا دليل عليه . فقد تكون له مناشئ أخرى كالتعفف أو التنفر من الصدقة الاسلامية بسبب الانحراف ، أو غير ذلك من الأسباب . إلا أن هذا التقييد ، وإن أمكن انطباقه على الرواية الأولى ، ولكن من المتعذر انطباقه على الباقي . للتصريح فيها بأنه : لا حاجة لي فيه أو لا أرب لي فيه . . . وهو ظاهر بوضوح بأن رفض الصدقة ناشئ من الغنى وكثرة المال . وخاصة مثل قوله : لو جئتنا بالأمس قبلتها ، أما الآن فلا حاجة لي بها . . . باعتبار أنه كان بالأمس فقيرا وأما اليوم ، فهو غني . وحيث نفترض بطلان كل هذه المحامل ، يتعين كون المراد كثرة المال عند جميع أفراد المجتمع المسلم خلال عصور الغيبة الكبرى . ومعه ترد الاعتراضات التالية :