السيد محمد الصدر

275

تاريخ الغيبة الصغرى

الصفوف للصلاة الجامعة أو لغرض آخر كالوعظ أو تشييع جنازة أو نحو ذلك ، أمر مطلوب وراجح في الإسلام . . . ولكنه إذا اقترن بتفرق القلوب وتشتت الأهواء والنوازع ، لم يكن دالا على قوة ولا على وعي وإرادة ، ومن ثم يكون مذموما مقيتا . ومثاله الآخر : إن الرجل يجفو والديه ويبر صديقه . فان بر الصديق وإن كان امرا عادلا راجحا على الأغلب ، إلا أنه إذا اقترن بجفاء الوالدين دل على خبث النية وانحراف الاتجاه . ويدل على أن الصداقة لم تنعقد على أساس الاسلام بل على أساس المصالح الضيقة والأعمال المنحرفة ، إذ لو لم يكن كذلك ، لما جفا الفرد والديه . وهكذا . . . قس على هذه الأمثلة ما سواها . الأمر السابع : يراد ببعض التعابير في هذه الأخبار معناها الكنائي أو الرمزي ، لا المعنى الحقيقي المفهوم من اللفظ لأول وهلة . ومعه لا حاجة إلى تخيل حدوث هذه الأمور بطريق اعجازي ، بل يمكن أن يكون حدوثها طبيعيا اعتياديا . فمن ذلك قوله : لبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب . فان المراد هو التعبير عن دماثة الظاهر وخبث الباطن وشراسة الطبع . وهذا واضح . ومن ذلك : قوله : يذاب قلب المؤمن في جوفه ، كما يذاب الملح في الماء ، لما يرى من المنكر ، فلا يستطيع أن يغيره . فان المراد التعبير من شدة أسفه ووجده لما يرى من العصيان ومخالفة العدل الإلهي ، وهو غير قادر على رفعه أو تغييره ، بسبب عمق ظروف الانحراف . ومن ذلك قوله : إن عندها يؤتى بشيء من المشرق وبشيء من المغرب يلون ( أي يحكمون ) أمتي . فإن أفضل تفسير لذلك : هو المبادئ المادية التي جلبت إلى بلاد الاسلام من الغرب تارة ومن الشرق أخرى . ويمارس الحكام المنحرفون الحكم طبقا لأحدهما أو لكليهما في بعض الأحيان .