السيد محمد الصدر

272

تاريخ الغيبة الصغرى

إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة ، وفيها المطول والمختصر . ويكفينا منها ما ذكرناه . . . وهي لعمري بمجموعها الوثيقة التاريخية المهمة ، والوجه الصادق المخلص ، المطابق للقواعد والوجدان ، في الكشف عن تاريخ البشر خلال عصر الغيبة الكبرى . ويتم الكلام في فهم هذه الأخبار وتحديد مداليلها في ضمن أمور : الأمر الأول : أننا لنشعر من سلمان الفارسي رضي اللّه عنه - في خبر ابن عباس - وهو يعيش المجتمع الفاضل العادل الذي يقوده النبي ( ص ) ويرعاه . . . أننا لنشعر منه استغرابه وشدة عجبه من صفات الفسق والانحراف التي يعلن النبي ( ص ) عن تحققها في آخر الزمان . ومن هنا نراه يكرر على النبي ( ص ) القول : وإن ذلك لكائن يا رسول اللّه . فيجيبه النبي ( ص ) مؤكدا أي والذي نفسي بيده . كما أننا لنحس بكل وضوح الأسى الشديد الذي يتضمنه كلام النبي ( ص ) وهو يصف خروج الناس عن شريعته وعصيانهم لتعاليمه ، وتركهم للعدل الصحيح ، مما يسبب لديهم أسوأ الآثار . كيف لا ، واللّه تعالى يقول : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ « 1 » . والنبي ( ص ) إذ يخاطب الناس بذلك ، ويطلعهم عليه ، لا يخص به صحابته وأهل عصره - باجتنابهم الخصال السيئة والانحرافات المقيتة التي ذكرها رسول اللّه ( ص ) في بيانه . إلا أن غرضه الأساسي والأهم هو مخاطبته الأجيال القادمة ، وعلى الأخص تلك الأجيال التي تتصف بهذه الصفات ، وتنحرف مثل هذه الانحرافات ، حتى ينبهها عن غفلتها ويشعرها بواقعها ، ويتم الحجة عليها . ذلك التنبيه الذي يؤثر في وجدان عدد من الناس المخلصين ، التأثير الصالح المطلوب ، فيتأكد إخلاصهم وتقوى إرادتهم ويزداد شعورهم بالمسؤولية للتمهيد لليوم الموعود ، طبقا للتخطيط الإلهي الكبير .

--> ( 1 ) الروم : 30 / 36 .