السيد محمد الصدر

265

تاريخ الغيبة الصغرى

الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ . فان الفرد - اي فرد - قبل حصول ظروف الجهاد ، وقبل تشريعه ، يكون ناقص التكوين حقيقة ، لا مجاهدا ولا صابرا ، وتكون حالته النفسية واتجاهاته مجملة من حيث كونه سيتخذ موقف الجهاد عند طرد ظروفه وسيصبر على مسئولياته أولا . بمعنى ان له درجة ما قبل الجهاد ، وهي درجة واقعية ، لا يكون الفرد مستحقا فيها لثواب القائمين بالجهاد ، ولا لعقاب الخارجين على مسئولياته . ومن ثم قال اللّه تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ . وبعد طرد ظروف الجهاد ، يتحدد الموقف الواقعي للفرد ، بأنه مجاهد أو غير مجاهد ، ذلك الموقف الذي يكسب به درجته الجديدة من الكمال أو التسافل . فإنه قد يكون رد فعله تجاه هذه الظروف منافيا مع تعاليم الاسلام العادلة فيكون فاشلا في التمحيص الإلهي متسافلا عن درجته الايمانية التي كان عليها . وقد يكون رد فعله تجاه هذه الظروف منسجما مع تلك التعاليم ، فيكون ناجحا في هذا التمحيص ، صاعدا فوق ما كان عليه من درجة الايمان ، في سلم الكمال . فإذا تحدد اتجاهه الجديد ، بالجهاد والصبر ، علم اللّه تعالى ذلك منه ، كعلمه بالأشياء بعد وجودها ، ويكون الفرد ساعتئذ مستحقا لثواب المجاهدين . اذن فليس المراد من نسبة العلم إلى اللّه في الآية مجرد الانكشاف لاستلزامه نسبة الجهل إليه قبل ذلك ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . وانما المراد تغير الواقع المتمثل في تغير اتجاهات المكلفين ومواقفهم ، فيعلم اللّه تعالى بتجدد الوجود عليها وحصول مرتبة الكمال أو التسافل للفرد . وهذا العلم هو المتحقق بالنسبة إلى اللّه تعالى ، وليس بمستحيل ولا مستلزم جهلا ، لأنه عز وجل قبل وجود الشيء عالم بأنه سيوجد ، وبعده عالم بأنه وجد ، كما سبق ان عرفنا . فإذا عرفنا هذه القاعدة العامة في كيفية التمحيص ، وأثره الواقعي . . فهمنا ما ذكر في الروايات السالفة . . كيف يوجب التمحيص ان يسبق سابقون كانوا قد قصروا ويقصر سباقون كانوا قد سبقوا ، وعرفنا لما ذا يبقى بعد التمحيص حثالة