السيد محمد الصدر
230
تاريخ الغيبة الصغرى
غاية الصعوبة والتعقيد ، ويحتاج إلى مضاعفة الجهود في سبيل المحافظة على مستواه فضلا عن الصعوبة وتكميله فكان « القابض على دينه كالقابض على جمرة من النار » وكان المخلصون على المستوى العالمي ، في غاية القلة والندرة بالنسبة إلى مجموع سكان العالم . . . وان كنا لو لاحظنا مراتب الاخلاص الثلاثة أو الأربعة السابقة ، فان النسبة تتسع عن هذا المقدار الضيق بكثير . ولا زالت البلايا والمحن تتضاعف ، وظروف التمحيص والاختبار الإلهي تتعقد وتزداد . . . حتى أصبح الفرد يقهر على ترك دينه والتمرد على تعاليم ربه ، بمختلف أساليب الخوف والترغيب . ولعل المستقبل - إن لم يأذن اللّه تعالى بالفرج والظهور - كفيل بأن نواجه اشكالا من الخطر والبلاء على ديننا ودنيانا هي أهم وأصعب مما حصل إلى حد الآن . فليفهم كل مسلم موقفه ، وليتلمس درجة إيمانه وبشخص مقدار قابليته على الصمود ، قبل أن يسقط في هاوية الانحراف . لكي يوطن نفسه على الصبر والجهاد على كل حال ليكون له فخر المشاركة في بناء العدل العالمي في اليوم الموعود . وقد يخطر في الذهن : إن ما قلناه من أن ظروف الظلم دخيلة في التمحيص والاختبار الإلهي ، يلزم منه أن يكون اللّه تعالى راضيا بوجود الظلم والانحراف ، وهذا خلاف الأدلة القطعية في الاسلام . ويمكن الجواب على ذلك من زاويتين نذكر إحداهما ونؤجل الأخرى إلى حين اتضاح مقدماتها في مستقبل البحث . والزاوية التي نود الانطلاق إليها الآن هي أن الأدلة القطعية في الاسلام قامت على أن اللّه تعالى لا يريد الظلم ، بمعنى أنه لا يجيزه تشريعا ، فليس في شريعة الاسلام حكم ظالم ، وليس أي ظلم مما يقع يكون مجازا من قبل الشريعة ، بل يتصف بالحرمة والشجب حتما . إذ من الواضح أن الاسلام إنما شرع ليخرج لبشرية من ظلمات الظلم إلى نور العدل ، بل هو - كما عرفنا - يمثل العدل الكامل من جميع الجهات ، بشكل لم يتحقق في أي تشريع آخر على مدى التاريخ . وأما بحسب التدبير التكويني للّه تعالى في مخلوقاته ، فمن الواضح الضروري من اللّه تعالى سمح بوجود الظلم ، ولم يسبب الأسباب إلى قمعه قهرا وعلى كل