السيد محمد الصدر

194

تاريخ الغيبة الصغرى

الأطروحة الأولى : أن تأتي الفكرة إلى الذهن كما يلي : اننا إذ نعيش في زمان معين ومكان محدد ، تخفى علينا - بطبيعة الحال - المصالح العامة والتخطيطات الكبرى التي تؤخذ بنظر الاعتبار في التدبير الإلهي . فإنها ناتجة عن حكمة أزلية يقصر عن إدراكها الانسان المتناهي القاصر . إذن فلا سبيل لنا إلى فهم الارتباط العام . أزيد مما دلت عليه ألفاظ الأخبار المتوفرة في هذا الصدد ، فإنها المفتاح الأساسي للاطلاع على الأمور الغائبة عنا . ومعه نكون في حاجة على الدوام إلى التمسك بالمداليل اللفظية للأخبار ، ما دام الخبر بحسب القواعد العامة قابلا للاثبات التاريخي . ومعه فقد نستنتج من ذلك عدة نقاط : النقطة الأولى : أنه لا حاجة إلى التشدد السندي الذي ذكرناه ، كما لا حاجة إلى الأخذ بالمنهج الدلالي السابق . . . فإننا إنما نحس بالحاجة إليهما فيما إذا فهمنا من الروايات غموضا واجمالا واستبعدنا صدق مداليلها اللفظية المطابقية . إلا أن هذا الغموض وهذا الاستبعاد ناتج - في الحقيقة - من جو نفسي معين ناتج من دعوى العلم بما نجهله من التدبير الإلهي والحكمة الأزلية . فإذا لم تكن الروايات مطابقة مع العلم الذي ندعيه ، احتجنا إلى تمحيصها سندا ودلالة . وأما مع الاعتراف بالجهل أمام اللّه تعالى في تدابيره الكبرى ، فلا يبقى أمامنا في معرفة تفاصيل هذه التدابير ، إلا ما نطقت به هذه الأخبار ، فإنها الطريق الوحيد للمقصود . ومعه فلا حاجة إلى التشدد في سند الروايات ولا الشك في معانيها الواضحة الظاهرة منها ولا حاجة إلى حملها على غير ذلك من المعاني . النقطة الثانية : أنه لا حاجة إلى تصور أي ارتباط عام بين الحوادث الواردة في هذه الأخبار ، بل أن الاطلاع على ذلك متعذر أساسا . فان الارتباط الواقعي بيد اللّه عز وجل ولم يطلع عباده عليه إلا بالمقدار الذي وردت فيه الأخبار الدالة على التنبؤ بالمستقبل ،