السيد محمد الصدر
181
تاريخ الغيبة الصغرى
تتصف روايات التنبؤ بحوادث المستقبل ، بشكل عام ، بصعوبات في الدلالة والمضمون ، بعد الغض عن السند . . . تلك الصعوبات الناشئة من عدة مناشئ رئيسية ، يحتمل وجود واحد منها أو أكثر في كل رواية مروية في هذا الصدد ، على ما سنرى . وينبغي أن نتحدث أولا ، عن السبب الذي أوجب صدور هذه الروايات عن قائليها بشكل رمزي صعب الفهم إلى حد كبير . ثم نتحدث ثانيا عن أسباب الصعوبة بالنسبة إلى فهمنا الخاص بعد أن تكون الروايات قد وصلت إلينا . ومن هنا يقع الحديث في ناحيتين : الناحية الأولى : في التحدث عن الأسباب التي دعت النبي ( ص ) والأئمة ( ع ) للتكلم عن حوادث المستقبل بشكل أقرب إلى الغموض والابهام . وترك السير - بتعمد واضح - في طريق التوضيح والتفصيل . وما يمكن أن نتصوره من أسباب ذلك ، بحسب ما نستطيع تشخيصه الآن ، يمكن إيراده ضمن عدة أمور : الأمر الأول : قانون : خاطب الناس على قدر عقولهم . . هذا القانون الذي سبق أن ذكرنا إنه عرفي وصحيح ، وقد مشى عليه النبي ( ص ) والأئمة ( ع ) في سائر كلماتهم . فلئن كان النبي ( ص ) أو الإمام ( ع ) على مستوى إدراك الواقع التاريخي المتحقق بعد ألف عام أو عدة آلاف من السنين ، بحيث يرى المستقبل ببعد نظره وتوفيق ربه ، كما يرى الحاضر . . فإن البشر لم يكونوا في أي عصر من العصور على هذا المستوى من الفهم على الإطلاق . وغاية ما نرى الحكومات الحاضرة - على كثرة مفكريها ودقة سياساتها ، إنها تستطيع أن تخطط لخمس سنوات أو عشر سنوات ، على نحو محتمل غير مضمون التطبيق الكامل ، في الأغلب . وأما التخطيط وبعد النظر إلى مئات وآلاف السنين ، فهو خاص باللّه عز وجل ومن ارتضى من رسول ومن علمه الرسول ( ص ) من هذا العلم . وهو علم ضروري للأئمة المعصومين ( ع ) ، كي يستطيعوا أن يأخذوا بالتخطيط الإلهي إلى