السيد محمد الصدر

167

تاريخ الغيبة الصغرى

باطلا ، أي خاضت غمار الباطل في أرض صالحة لذلك . وهي إنما تستبيح نفوسهم في انصهارهم فيها ، وسيرهم مع تيارها . وإنما يكون على المفيد أن يقف ضد الفتنة ، من أجل استرهاب المبطلين وتخويفهم لأجل ردعهم عن الباطل وصرفهم إلى طريق الحق . وقوله : لذلك . أي باعتبار ما نعتمده من الزلفة إلينا من الأعمال . فيكون المراد لزوم العمل لكفكفة الظلم وردع الفتن التي تؤسس الأراضي الصالحة لنمو المفسدين والمجتمعات المنحرفة التي تربي المنحرفين . ليكون ذلك من الأعمال الصالحة التي يعتبرها ويحمدها بصفتها من أعظم المقربات إلى اللّه ، وأحسن التطبيقات للعدل الإسلامي . وإنما سمي الظلم فتنة ، باعتبار أنه محك الامتحان الإلهي لنفوس البشر وإيمانهم ، لكي يمحصوا به ويميزوا ، فيحيى من حيى عن بينة ويهلك من هلك عن بينة . وقد ذكرنا أن هذه الفتن والظلم ، كما توجب قوة انحراف المنحرفين توجب أيضا قوة إيمان المؤمنين . . . فتوجد بذلك شرط الظهور . وقلنا أن الجهاد ضد الظلم مما يوجب تزايد قوة الإرادة والوعي لدى المؤمنين المخلصين ويصعد معنوياتهم ، مما يعجل بتحقيق شرط الظهور . ومن هنا نرى المهدي ( ع ) يأمر الشيخ المفيد وسائر اخوانه من الأجيال ، بهذا الجهاد الإيماني الكبير . ومن هنا نفهم أن الفتنة المذكورة في هذا التعبير ، ليست إشارة إلى حادثة تاريخية معينة حتى نبحث عنها في التاريخ العام . . . كما عملنا في الرسالة السابقة . وإنما هي عبارة عن الانحراف العام الذي يصيب المجتمع على مر الأجيال خلال عصر الغيبة الكبرى ، ذلك الانحراف الذي يزيله المهدي ( ع ) بعد ظهوره . ثم أن المهدي ( ع ) في رسالته يذكر : أن الجهاد ما يؤثره من استرهاب المبطلين وردعهم عن باطلهم . . . يبتهج لذمارها - أي لدفعها ومحاربتها - « 1 » المؤمنون ويحزن لذلك المجرمون .

--> ( 1 ) كما هو أحد معاني الذمار في اللغة ، وهو الحث على الحرب والدعوة إليها وقد استعمل هنا مجازا .