السيد محمد الصدر
159
تاريخ الغيبة الصغرى
وضاقت عليهم مساكنهم ، فإن العساكر نزلوا فيها ، وغلبوهم على أقواتهم وارتكبوا فيها كل محذور « 1 » . وأما قلة الأرزاق وغلاء الأسعار ، فحدث عنها ولا حرج . . . إذ نسمع التاريخ يخبرنا أنه قد كثر الغلاء وتعذرت الأقوات وغيرها من كل شيء ، وأكل الناس الميتة ، ولحقهم وباء عظيم ، فكثر الموتى بغير غسل ولا تكفين ، فبيع رطل اللحم بقيراط وأربع دجاجات بدينار . وسفرجلة بدينار ورمانة بدينار ، وكل شيء كذلك « 2 » . وبقي هذا الغلاء عدة سنوات ، بل استمر في التصاعد . . . ففي عام 449 زاد الغلاء ببغداد والعراق . . . وأكل الناس الميتة والكلاب وغيرها ، وكثر الوباء حتى عجز الناس عن دفن الموتى ، فكانوا يجعلون الجماعة في الحفيرة « 3 » . أما الخليفة في بغداد ، فكان يعيش جوا آخر بعيدا عن الغلاء والوباء . فقد أكرم طغرل بك إكراما عظيما ومكنه من بلاده تمكينا أسبغ عليه صفة الشرعية ، حين قال له : إن أمير المؤمنين شاكر لسعيك حامد لفعلك مستأنس بقربك . وقد ولاك جميع ما ولاه اللّه من بلاده ورد عليك مراعاة عباده ، فاتق اللّه فيما ولاك واعرف نعمته عليك في ذلك واجتهد في نشر العدل وكف الظلم وإصلاح الرعية . فقبل الأرض ، بين يدي الخليفة . وأمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه . فقام إلى موضع لبسها فيه وعاد وقبل يد الخليفة ووضعها على عينيه وخاطبه الخليفة بملك المشرق والمغرب ، وأعطي العهد وخرج . وأرسل إلى الخليفة خدمة كثيرة منها خمسين ألف دينار وخمسين مملوكا أتراك من أجود ما يكون ومعهم خيولهم وسلاحهم إلى غير ذلك من الثياب وغيرها « 4 » فانظر إلى ترف الحكام وبؤس المحكومين ، وتسامح الخليفة بدماء المسلمين وأموالهم حين ولى عليهم هذا الظالم العنيد .
--> ( 1 ) المصدر ، ص 77 . ( 2 ) المصدر ، ص 79 . ( 3 ) المصدر ، ص 81 . ( 4 ) المصدر ، ص 80 .