العلامة المجلسي
143
بحار الأنوار
فلما صرنا إلى وسط الطريق قال الشاري للكاتب : أليس من قول صاحبكم علي بن أبي طالب أنه ليس من الأرض بقعة إلا وهي قبر أو سيكون قبرا ؟ فانظر إلى هذه التربة ( 1 ) أين من يموت فيها حتى يملاها الله قبورا كما يزعمون ؟ . قال : فقلت للكاتب : هذا من قولكم ؟ قال : نعم : قلت : صدق أين يموت في هذه التربة العظيمة حتى يمتلئ قبورا وتضاحكنا ساعة إذ انخذل الكاتب في أيدينا . قال : وسرنا حتى دخلنا المدينة ، فقصدت باب أبي الحسن علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام فدخلت عليه فقرأ كتاب المتوكل فقال : أنزلوا وليس من جهتي خلاف ، قال : فلما صرت إليه من الغد وكنا في تموز أشد ما يكون من الحر فإذا بين يديه ، خياط وهو يقطع من ثياب غلاظ خفاتين له ( 2 ) ولغلمانه ، ثم قال للخياط : أجمع عليها جماعة من الخياطين ، واعمد على الفراغ منها يومك هذا وبكر بها إلي في هذا الوقت ثم نظر إلي وقال : يا يحيى اقضوا وطركم من المدينة في هذا اليوم واعمد على الرحيل غدا في هذا الوقت . قال : فخرجت من عنده وأنا أتعجب من الخفاتين وأقول في نفسي : نحن في تموز وحر الحجاز وإنما بيننا وبين العراق مسيرة عشرة أيام فما يصنع بهذه الثياب ؟ ثم قلت في نفسي : هذا رجل لم يسافر ، وهو يقدر أن كل سفر يحتاج فيه إلى مثل هذه الثياب والعجب من الرافضة حيث يقولون بامامة هذا مع فهمه هذا . فعدت إليه في الغد في ذلك الوقت ، فإذا الثياب قد أحضرت ، فقال لغلمانه : ادخلوا وخذوا لنا معكم لبابيد وبرانس ثم قال : ارحل يا يحيى فقلت : في نفسي هذا أعجب من الأول أيخاف أن يلحقنا الشتاء في الطريق حتى أخذ معه اللبابيد والبرانس ؟ .
--> ( 1 ) في المصدر " البرية " بدل التربة ، وهو الظاهر . ( 2 ) الخفاتين جمع خفتان وهو الدرع من اللبد .