الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري

350

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

حسبما تقدّم ذكره ولما أعيد إلى الخلافة كتب بذلك إلى سائر البلاد وتم أمره ثم بذل الخزائن والأموال في الجند وباع ضياعا وغيرها حتى تمم عطاءهم قلع الحجر الأسود من الكعبة ونقله إلى هجر ثم في سنة سبع عشرة وثلاثمائة سير المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمي فوصلوا إلى مكة سالمين فوافاهم في يوم التروية الملعون عدوّ اللّه أبو طاهر القرمطي فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا وهم محرمون وفي أزقة مكة وفي داخل البيت وحوله وقتل ابن محارب أمير مكة وعرّى البيت وقلع باب الكعبة واقتلع الحجر الأسود وأخذه إلى هجر وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقي في المسجد الحرام وحيث قتلوا بغير كفن ولا غسل ولا صلى على أحد منهم كذا في الكامل * يقال دخل القرمطي مكة بأناس قلائل نحو سبعمائة فلم يطق أحد ردّه خذلانا من اللّه تعالى فقتلوا حول البيت ألفا وسبعمائة وصعد اللعين على عتبة الكعبة ونادى أنا باللّه وباللّه أنا * أخلق الخلق وأفنيهم أنا ويقال إن القتلى بمكة وبظاهرها في هذه الكائنة أكثر من ثلاثين ألف انسان وسبى من النساء والصبيان مثل ذلك ومدّة اقامته بمكة ستة أيام ولم يحج أحد ولا وقف بالناس امام سنة سبع عشرة وثلاثمائة كذا في سيرة مغلطاى فكان من القتلى شيخ الحنفية ببغداد أبو سعيد أحمد بن علي البردعى والحافظ أبو الفضل محمد بن أبي الحسين الهروي وبعد عود القرمطي إلى هجر رماه اللّه في جسده وطال عذابه وتقطعت أوصاله وتناثر الدود من لحمه إلى أن مات وبقي الحجر الأسود عند القرامطة نحو عشرين سنة ولما أخذه القرمطي وساربه إلى هجر هلك تحته أربعون جملا فلما أعيد إلى مكة حمل على قعود هزيل فسمن تحته * ولما كان الحجر عندهم دفع فيه بحكم التركي خمسين ألف دينار ليردّه إلى مكانه فأبوا وقالوا قد أخذناه بأمر ولا نردّه الا بأمر وقد مرّ في بناء الكعبة * وفيها في آخر ذي القعدة انقض كوكب عظيم وصار له ضوء عظيم جدّا وفيها هبت ريح شديدة وحملت رملا أحمر شديد الحمرة فعمّ جانبي بغداد وامتلأت منه البيوت والدور يشبه رمل طريق مكة كذا في الكامل * وأما المقتدر فاستمرّ في الخلافة إلى أن قتل في يوم الأربعاء السابع والعشرين من شوّال سنة عشرين وثلاثمائة في حرب كان بينه وبين مؤنس من البربر فضربه رجل منهم من خلفه ضربة سقط منها إلى الأرض فقال له ويحك أنا الخليفة فقال أنت المطلوب وذبحه بالسيف وشال رأسه على رمح ثم سلب ما عليه وبقي مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش ثم حفر له في الموضع ودفن وعفى أثره * وفي سيرة مغلطاى صاحب المقتدر قرناء السوء حتى أخرجوه ليتفرّج على لاعب في الميدان فاشتغل الناس باللاعب عن حراسة الخليفة فلما رأى اللاعب الناس قد أبعدوا عنه ركض فرسه إليه وطعنه في صدره بحربة ثم مر اللاعب يطلب دار الخلافة نحو القاهر فعلق به كلاب في دكان قصاب فخرج الفرس من تحته فبقى معلقا فمات في الوقت وأحرق وكان قتله يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من شوّال سنة عشرين وثلاثمائة وقيل إنه قتل في حرب كانت بينه وبين مؤنس الخادم الملقب بالمظفر وأعيد بعده إلى الخلافة أخوه القاهر * وكانت خلافة المقتدر أوّلا وثانيا وثالثا خمسا وعشرين سنة الا أياما * وفي سيرة مغلطاى كانت خلافته أربعا وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام وقيل وأحد عشر شهرا وأربعة عشر يوما انتهى وعاش ثمانيا وعشرين أو ثلاثين سنة وكان سخيا مبذرا يصرف في كل سنة للحج أكثر من ثلاثمائة ألف دينار وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الروم والصقالبة والسود * وقال الصولي كان المقتدر يفرّق يوم عرفة من الإبل والبقر أربعين ألف رأس ومن الغنم خمسين ألف رأس ويقال إنه أتلف من الذهب ثمانين ألف ألف دينار في أيامه قال الذهبي انه كان مسرفا مبذرا للمال ناقص الرأي أعطى جارية له الدرّة اليتيمة وزنها