الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
224
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
وان كانت هي الفرقة التي ليس بعدها لقاء فعرّفنا اللّه وإياك وجه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في جنات النعيم فأخذ أبو بكر بيده فبكى وبكى خالد وبكى المسلمون وظنوا انه يريد الشهادة وطال بكاؤهم ثم انّ أبا بكر قال انتظر نمش معك قال ما أريد أن تفعل قال لكني أريد ذلك فقام وقام الناس معه حتى خرج من بيوت المدينة فما رأيت أحدا من المسلمين شيعه أكثر ممن شيع خالد بن سعيد يومئذ واخوته * فلما خرج من المدينة قال له أبو بكر انك قد أوصيتنى برشدى وقد وعيت وانى موصيك فاسمع وصايتى وعها فأوصاه بوصايا ثم اخذ بيده فودّعه ثم أخذ بأيدي اخوته بعد ذلك فودّعهم واحدا واحدا ثم ودّعهم المسلمون ثم إنهم دعوا بابلهم فركبوها وكانوا قبل ذلك يمشون مع أبي بكر ثم قيدت معهم خيلهم فخرجوا بهيئة حسنة فلما أدبروا قال أبو بكر اللهمّ احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم واحطط أوزارهم وأعظم أجورهم ثم انصرف أبو بكر ومن معه من المسلمين * وعن محمد بن خليفة أن ملحان بن زياد الطائي أخا عدىّ بن حاتم لأمه أتى أبا بكر في جماعة من قومه من طي نحو ستمائة فقالوا له سرّحنا في اثر الناس واختر لنا واليا صالحا نكن معه وكان قدومهم على أبى بكر بعد مسير الامراء كلهم إلى الشأم فقال أبو بكر قد اخترت لك أفضل امرائنا أميرا وأقدم المهاجرين هجرة ألحق بأبى عبيدة بن الجراح فقد رضيت لك صحبته وحمدت لك أدبه فنعم الرفيق في السفر والصاحب في الحضر قال فقلت لأبي بكر قد رضيت بخيرتك التي اخترت لي فاتبعته حتى لحقته بالشأم فشهدت معه مواطنه كلها لم أغب عن يوم منها * وعن أبي سعيد المقبري قال قدم ابن ذي السهم الخثعمي على أبى بكر وجماعة من خثعم فوق تسعمائة ودون الف بنسائهم وأولادهم فشاوروا أبا بكر في أن يخلفوهم عنده أم يخرجوا معهم فقال أبو بكر قد مضى معظم الناس ومعهم ذراريهم ولك بجماعة المسلمين أسوة فسر في حفظ اللّه وفي كنفه فانّ بالشام امراء قد وجهناهم إليها فأيهم أحببت ان تصحبه فاصحبه فسار حتى لقى يزيد بن أبي سفيان فصحبه * وعن يحيى بن هانئ بن عروة ان أبا بكر كان أوصى أبا عبيدة بقيس بن مكشوح وقال له انه قد صحبك رجل عظيم الشرف فارس من فرسان العرب لا أظنّ له عظم حسبة ولا كثير نية في الجهاد وليس بالمسلمين غنى عن مشورته ورأيه وبأسه في الحرب فأدنه وألطفه وأره انك غير مستغن ولا مستهين بأمره فإنك تستخرج منه بذلك نصيحته لك وجهده ووجده على عدوّك ودعا أبو بكر قيسا فقال له انى بعثتك مع أبي عبيدة الأمين الذي إذا ظلم كظم وإذا أسيء إليه غفر وإذا قطع وصل رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين فلا تعصين له أمرا ولا تخالفنّ له رأيا فإنه لن يأمرك الا بخير وقد أمرته أن يسمع منك ولا تأمره الا بتقوى اللّه فقد كنا نسمع أنك شريف بئيس مجرّب وذلك في زمان الشرك والجاهلية الجهلاء فاجعل بأسك وشدّتك ونجدتك اليوم في الاسلام على من كفر باللّه وعبد غيره فقد جعل اللّه فيه الاجر العظيم والعز للمسلمين فقال ان بقيت ولقيت فسيبلغك من حيطتى على المسلم وجهدي على الكافر ما يسرّك ويرضيك فقال أبو بكر افعل ذلك فلما بلغه مبارزته البطر يقين بالجابية وقتله إياهما قال صدق قيس ووفى وبرّ * وعن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص قال لما مضت جنود أبى بكر إلى الشأم بلغ ذلك هرقل ملك الروم وهو بفلسطين وقيل له قد أتتك العرب وجمعت لك جموعا عظيمة وهم يزعمون انّ نبيهم الذي بعث إليهم أخبرهم انهم يظهرون على أهل هذه البلاد وقد جاءوك وهم لا يشكون انّ هذا يكون وجاءوك بأبنائهم ونسائهم تصديقا لمقالة نبيهم يقولون لو دخلناها وافتتحناها نزلناها بأولادنا ونسائنا فقال هرقل ذلك أشدّ لشوكتهم إذا قاتل القوم على تصديق فما أشدّ على من كايدهم أن يزيلهم أو يصدّهم قال فجمع إليه أهل البلاد وأشراف الروم ومن كان على دينه من العرب فقال يا أهل هذا الدين انّ اللّه قد كان إليكم محسنا وكان لدينكم معزا وله ناصرا على الأمم الخالية