الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري

248

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس

قريبا منه فقال ما هذا قالوا بلقيس نزلت منا بهذا المكان وكانت على مسيرة فرسخ من سليمان * قال ابن عباس وكان بين الحيرة والكوفة فأقبل سليمان حينئذ على جنده فقال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين أراد بذلك أن يريها بعض العجائب الدالة على عظيم القدرة وصدقه في دعوى النبوّة ويختبر عقلها بأن تنكر أو أراد أن يأخذه قبل أن تسلم فإنها إذا أتت مسلمة لم يحل أخذه الا برضاها قال عفريت من الجنّ خبيث مارد قوى * قال وهب اسمه كوذى وقيل ذكوان وقيل هو صخر الجنى وكان بمنزلة جبل يضع قدمه عند منتهى طرفه أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك مجلسك للحكومة وكان يجلس إلى نصف النهار وانى على حمله لقوىّ أمين لا اختزل منه شيئا ولا أبد له فقال سليمان أريد أسرع من هذا قال الذي عنده علم من الكتاب أي ملك بيده كتاب المقادير أرسله اللّه عند قول العفريت * وفي معالم التنزيل هو ملك من الملائكة أيد اللّه به نبيه سليمان أو جبريل أو الخضر أو سليمان نفسه أو آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه هو الأصح وعليه الجمهور وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وهو يا حىّ يا قيوم قاله الكلبي أو يا ذا الجلال والاكرام قاله مجاهد ومقاتل أويا الهنا وإله كل شيء الها واحدا لا إله الا أنت ائتني بعرشها وقوله أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك أي انك ترسل طرفك إلى شيء فقبل ان تردّه أحضر عرشها فتبصره بين يديك قال مجاهد يعنى إدامة النظر حتى يرتدّ الطرف خاسئا * يروى ان آصف قال لسليمان حين صلّى مدّ عينيك حتى ينتهى طرفك فمدّ سليمان عينيه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فبعث اللّه الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدون خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان * قال الكلبي خرّ آصف ساجدا ودعا باسم اللّه الأعظم فغار عرشها في مكانه تحت الأرض ثم نبع عند كرسي سليمان بقدرة اللّه تعالى قبل أن يرتدّ طرفه قيل كانت المسافة مقدار شهرين كذا في معالم التنزيل وقال محمد بن المنكدر لما قال عالم بني إسرائيل الذي آتاه اللّه علما وفهما أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك قال سليمان هات قال أنت النبيّ ابن النبيّ وليس أحد أوجه عند اللّه منك فان دعوت اللّه وطلبت إليه كان عندك قال صدقت ففعل ذلك فجىء بالعرش في الوقت فلما رأى العرش مستقرّا عنده حاصلا بين يديه ثابتا لديه غير مضطرب قال هذا من فضل ربى أي التمكن من احضار العرش في مدّة ارتداد الطرف من مأرب إلى الشام كذا في معالم التنزيل وقال في أنوار التنزيل من مسيرة شهرين بنفسه أو بغيره ثم قال سليمان نكروا لها عرشها غيروا هيئته وشكله أي اجعلوا مقدّمه مؤخره وأعلاه أسفله واجعلوا مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر ننظر أتهتدى إلى معرفة عرشها وقد خلفته في مأرب وراءها مغلقة عليه الأبواب موكلة عليه الحراس أوالى الجواب الصواب إذا سئلت عنه أم لا * فلما جاءت بلقيس قيل لها أهكذا عرشك قالت كأنه هو فأجابت أحسن جواب ولم تقل هو لاحتمال أن يكون مثله وذلك من كمال عقلها * وفي المدارك ولم تقل هو ولا ليس به وذلك من رجاحة عقلها حيث لم تقطع في المحتمل للامرين أو لما شبهوا عليها بقولهم أهكذا عرشك شبهت عليهم بقولها كأنه هو مع أنها علمت أنه عرشها قيل لها ادخلي الصرح أي القصر أو صحن الدار فلما رأته ظنته ماء راكدا فكشفت عن ساقيها * روى أن سليمان أمر قبل قدومها فبنى على طريقها قصر صحنه من زجاج أبيض وأجرى من تحته الماء وألقى فيه حيوانات البحر من السمك وغيره وقيل اتخذ صحنا من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء كذا في معالم التنزيل ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف الطير عليه والجنّ والانس وانما فعل ذلك ليزيدها اعظاما لامره وتحقيقا لنبوّته وقيل إن الجنّ كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفشى إليه بأسرارهم لان أمّها كانت جنية وقيل خافوا أن يولد منها ولد فيجتمع له فطنة الجنّ والانس فيخرجوا من ملك سليمان إلى ملك أشدّ