الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
19
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
في اللوح المحفوظ وأوّل الأنوار نور محمد صلى اللّه عليه وسلم وأهل التحقيق على أن المراد من هذه الأحاديث شيء واحد لكن باعتبار نسبه وحيثياته تعدّدت العبارات كما أن الأسود والمائع والبرّاق عبارة عن الحبر لكن باعتبار النسب * وفي شرح المواقف قال بعضهم ان المعلول الاوّل من حيث إنه مجرّد تعقل ذاته ومبدؤه يسمى عقلا ومن حيث إنه واسطة في صدور سائر الموجودات ونقوش العلوم يسمى قلما ومن حيث توسطه في إفاضة أنوار النبوّة ومن حيث إن الكمالات المحمدية من أثر نور سيد الأنبياء صلى اللّه عليه وسلم من حيث إنه سبب لحياته يسمى روحه وسيجيء لهذا زيادة بيان * وفي شواهد النبوّة أن نبينا صلى اللّه عليه وسلم وان كان آخر الأنبياء في عالم الشهادة لكنه أوّلهم في عالم الغيب قال عليه الصلاة والسلام كنت نبيا وآدم بين الماء والطين بيانه ان اللّه تعالى في أزل الآزال كان اللّه ولا شيء معه فجميع الشؤون من غير امتياز من بعض وصورة معلومية ذلك الشأن تسمى تعينا أوّل وحقيقة محمدية وحقائق سائر الموجودات كلها أجزاء وتفاصيل فتلك الحقيقة والتجليات التي وقعت بصورها في الغيب انما نشأت وانبعثت من التجلي بصور تلك الحقيقة والصورة الوجودية لتلك الحقيقة أوّلا في مرتبة الأرواح كانت جوهرا مجرّدا عبر عنه الشارع صلى اللّه عليه وسلم تارة بالعقل وتارة بالقلم وتارة بالنور وتارة بالروح حيث قال صلى اللّه عليه وسلم أوّل ما خلق اللّه العقل وأوّل ما خلق اللّه القلم وأوّل ما خلق اللّه روحي أو نوري ولا شك أن اختلاف العبارات رتبي إذ مرتبة الاوّلية حقيقة لا تصلح لغير شيء واحد والصورة الوجودية لتلك الحقيقة مرتبة بعد مرتبة حتى انتقلت إلى الصورة الجسمانية العنصرية الانسانية التي أوّل افرادها آدم فهو وسائر الأنبياء ما لم يظهروا لصورة جسمانية عنصرية في الشهادة لم يوصفوا بالنبوّة بخلاف نبينا صلى اللّه عليه وسلم فإنه لما وجد بوجود روحاني بشره وأعلمه بالنبوّة بالفعل وفي كل الشرائع أعطى الحكم له لكن بأيدي الأنبياء والرسل الذين كانوا نوّابه كما أن عليا ومعاذ بن جبل في عالم الشهادة ذهبا بنيابته إلى اليمن وبلغا الاحكام فانّ ثبوت النبوّة ليس الا باعتبار شرع مقرّر من عند اللّه فجميع الشرائع شريعته إلى الخلق بأيدي نوّابه ولما ظهر بالوجود الجسماني العنصري نسخ تلك الشرائع التي كان اقتضاها بحسب الباطن فان اختلاف الأمم في الاستعدادات والقابليات مقتض لاختلاف الشرائع * وفي فصوص الحكم وشرحه وما كان من نبىّ يأخذ شيئا من الكمالات الا من مشكاة خاتم النبيين وان تأخر عنهم وجود طينته إذ لا تعلق لمشكاته بوجوده الطيني فإنه بحقيقته موجود قبلهم لأنه أبو الأرواح كما انّ آدم أبو الأشباح * وفي كيفية خلق نوره صلى اللّه عليه وسلم وردت روايات متعدّدة وحاصل الكل راجع إلى أن اللّه تعالى خلق نور محمد صلى اللّه عليه وسلم قبل خلق السماوات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة والانس والجنّ وسائر المخلوقات بكذا كذا ألف سنة وكان يرى ذلك النور في فضاء عالم القدس فتارة يأمره بالسجود وتارة يأمره بالتسبيح والتقديس وخلق له حجبا وأقامه في كل حجاب مدّة مديدة يسبح اللّه تعالى فيه بتسبيح خاص فبعد ما خرج من الحجب تنفس بأنفاس فخلق من أنفاسه أرواح الأنبياء والأولياء والصدّيقين والشهداء وسائر المؤمنين والملائكة كما روى عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنه قال سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أوّل شيء خلقه اللّه قال هو نور نبيك يا جابر خلقه ثم خلق منه كل خير وخلق بعده كل شيء وحين خلقه أقامه قدّامه في مقام القرب اثنى عشر ألف سنة ثم جعله أربعة أقسام خلق العرش من قسم والكرسي من قسم وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم وأقام القسم الرابع في مقام الحب اثنى عشر ألف سنة ثم جعله أربعة أقسام فخلق الخلق من قسم واللوح من قسم والجنة من قسم وأقام القسم الرابع في مقام الخوف اثنى عشر ألف سنة ثم جعله أربعة أجزاء