الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
174
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
شئت من أهل بيتك على ملكك فإنك ميت فلما قال ذلك شعيا لصديقه الملك أقبل على القبلة فصلى ودعا فقال وهو يبكى ويتضرّع إلى اللّه يقلب مخلص اللهم رب الأرباب وإله الآلهة يا قدّوس المقدّس يا رحمن يا رحيم يا رؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعملي وفعلى وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك وأنت أعلم به منى سرّى وعلانيتي لك فاستجاب اللّه له وكان عبدا صالحا فأوحى اللّه إلى شعيا أن يخبر صديقة ان ربه قد استجاب له ورحمه وأخر أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوّه سنجاريب فأتاه شعيا فأخبره فلما قال له ذلك انقطع عنه الحزن وخرّ ساجدا وقال الهى وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكرّمت وعظمت أنت الذي تعطى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الاوّل والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرّين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرّعى فلما رفع رأسه أوحى اللّه إلى شعيا ان قل للملك صديقة فيأمر عبدا من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى فيصبح وقد برأ ففعل ذلك فشفى فقال الملك لشعيا سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدوّنا هذا قال اللّه لشعيا قل له انى قد كفيتك عدوّك وانجيتك منهم فإنهم سيصبحون موتى كلهم الا سنجاريب وخمسة نفر من كتابه فلما أصبحوا جاء صارخ يصرخ على باب المدينة يا ملك بني إسرائيل ان اللّه قد كفاك عدوّك فأخرج فان سنجاريب ومن معه هلكوا فخرج الملك والتمس سنجاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مغارة ومعه خمسة نفر من كتابه أحدهم بخت نصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم الملك فلما رآهم خرّ ساجدا للّه تعالى من حين طلعت الشمس إلى العصر ثم قال لسنجاريب كيف رأيت فعل ربنا بكم ألم يقتلكم بحوله وقوّته ونحن وأنتم غافلون * فقال سنجاريب قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي يرحمكم بها قبل ان أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة الا قلة عقلي فلو سمعت أو عقلت ما غزوتكم فقال الملك صديقة الحمد للّه رب العالمين الذي كفاناكم بما شاء ان ربنا لم يبقك ومن معك للكرامة بك ولكنه انما أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا بكم فتنذروا من بعدكم ولولا ذلك لقتلتك ومن معك ولد مك ودم من معك أهون على اللّه من دم قراد لو قتلت * ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه أن يقذف في رقابهم الجوامع ففعل وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وإيليا وكان يرزقهم في كل يوم خبزتين من شعير فقال سنجاريب للملك صديقة القتل خير مما يفعل بنا فأمر بهم إلى السجن فأوحى اللّه إلى شعيا النبيّ ان قل لملك بني إسرائيل يرسل سنجاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم فبلغ ذلك شعيا للملك ففعل فخرج سنجاريب ومن معه حتى قدموا بابل فلما قدموا جمعوا الناس فأخبروهم كيف فعل اللّه تعالى بجنوده فقال له كهانه وسحرته يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحى اللّه إلى نبيهم فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم وكان أمر سنجاريب تخويفا لبنى إسرائيل ثم كفاهم اللّه تعالى ذلك تذكرة وعبرة ثم إن سنجاريب لبث بعد ذلك سبع سنين ثم مات واستخلف على ملكه ابن ابنه بخت نصر فعمل بعمله وقضى بقضائه فلبث سبع عشرة سنة * ثم قبض اللّه ملك بني إسرائيل صديقة فخرج أمراء بني إسرائيل فتنافسوا في الملك حتى قتل بعضهم بعضا وشعيا نبيهم معهم لا يقبلون منه فلما فعلوا ذلك قال اللّه لشعيا قم في قومك أوح على لسانك ولما قام أنطق اللّه لسانه بالوحي وألهمه في الوقت خطبة بليغة بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية ووعظهم وناصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر وبشر فيها بنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم وبين سيرته وسيرة أمته ولما فرغ من مقالته عدوا عليه ليقتلوه فهرب منهم فلقيته شجرة