الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
102
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
الحكيم الرومي هو ذو القرنين الملك وليس هو المذكور في القرآن لان تعظيم اللّه إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حق وصدق وذلك مما لا سبيل إليه بل هو ابن فيلقوس الملك وكان مولده في السنة الثالثة عشر من ملك دارا الأكبر سلمه أبوه إلى أرسطاطاليس الحكيم المقيم بمدينة ايثناش فأقام عنده خمس سنين يتعلم منه الحكمة والأدب حتى بلغ أحسن المبالغ ونال من الفلسفة مثل سائر تلامذته فاستردّه والده حين استشعر من نفسه علة خاف منها فلما وصل إليه جدّد العهد له واستولت عليه العلة فتوفى منها واستقل الإسكندر بأعباء الملك وله حكم كثيرة * وفي لباب التأويل ذكر وهب بن منبه أن ذا القرنين كان رجلا من الروم ابن عجوز فلما بلغ كان عبدا صالحا قال اللّه له انى باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم منهم أمتان بينهما طول الأرض إحداهما عند مغرب الشمس يقال لها ناسك والأخرى عند مطلعها يقال لها منسك وأمتان بينهما عرض الأرض إحداهما في القطر الأيمن يقال لها هاويل والأخرى في القطر الأيسر يقال لها تأويل وأمم في وسط الأرض منهم الجنّ والانس ويأجوج ومأجوج فقال ذو القرنين بأىّ قوّة أكابرهم وبأىّ جمع أكاثرهم وباي لسان أناطقهم قال اللّه تعالى انى سأطوّقك وأبسط لسانك وأشدّ عضدك فلا يهولنك شيء وألبسك الهيبة فلا يرو عنك شيء وأسخر لك النور والظلمة واجعلهما من جنودك فالنور يهديك من أمامك والظلمة تحوطك من ورائك فانطلق حتى أتى مغرب الشمس فوجد جمعا وعددا لا يحصيه الا اللّه وهم ناسك فكابرهم بالظلمة حتى جمعهم في مكان واحد فدعاهم إلى اللّه وعبادته فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت أجوافهم وبيوتهم فدخلوا في دعوته فجند من أهل المغرب جندا عظيما وانطلق يقودهم والظلمة تسوقهم حتى أتى هاويل ففعل بهم كفعله في ناسك ثم مضى حتى أتى منسك ففعل بهم كفعله بالامّتين وجند منهم جندا ثم أخذ ناحية الأرض اليسرى فأتى تأويل ففعل بهم كفعله فيما قبلها ثم عمد إلى الأمم التي في وسط الأرض فلما كان مما يلي منقطع الترك مما يلي المشرق قالت له أمّة صالحة من الانس يا ذا القرنين ان بين هذين الجبلين خلقا أشباه البهائم يفترسون الدواب والوحوش كالسباع ويأكلون الحيات والعقارب وكل ذي روح خلق في الأرض وليس يزداد خلق كزيادتهم فلا نشك أنهم سيملئون الأرض ويظهرون عليها فيفسدون فيها فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدّا قال ما مكنى فيه ربى خير فأعدوا لي الصخور والحديد والنحاس حتى أعلم علمهم فانطلق حتى توسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد يبلغ الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا لهم مخاليب وأضراس كالسباع ولهم هلب شعر يوارى أجسادهم ويتقون به من الحرّ والبرد ولكل واحد أذنان عظيمتان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى يصيف في واحدة ويشتو في أخرى يتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا فلما عاين ذو القرنين ذلك انصرف إلى بين الصدفين فقاس ما بينهما وحفر له الأساس حتى بلغ الماء فذلك قوله تعالى قالوا يا ذا القرنين ان يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض * وفي أنوار التنزيل فسار حتى إذا بلغ مغرب الشمس أي منتهى العمارة من نحو المغرب وكذا المطلع وجدها تغرب في عين حامئة أي حارّة أو حمئة من حمأت البئر إذا صارت فيها الحمأة أي في ماء وطين لعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء وكذلك من كان في البحر يرى في مطمح بصره كأنها تغرب في البحر وكذلك من كان في البرّ أو الجبل لا أن جرم الشمس تغرب في عين إذ جرم الشمس أكبر من أن يسعها عين ولا تتزايل عن فلكها ولذلك قال وجدها تغرب ولم يقل وكانت تغرب ووجد عند تلك العين قوما كفّارا عراة من الثياب لباسهم جلود الوحوش والصيد وطعامهم ما لفظه البحر فخيره اللّه بين أن يعذبهم بالقتل على كفرهم وبين أن يحسن