مجموعة مؤلفين
238
أهل البيت في مصر
البقاء بين ظهرانيهم ، فأبت عليهم طلبهم ، وصارحتهم بأنّها تريد انفرادها لعبادة ربّها ، ولا يشغلها منهم شاغل . ولمّا رأوا منها إصرارا على مغادرة الديار ، ولّوا وجوههم نحو والي مصر السري ابن الحكم بن يوسف « 1 » . وكان آل السري يكبّرون السيدة نفيسة ويعظّمونها ويكثرون من زيارتها وتعهّدها ، ويعرضون عليها خدمتهم إيّاها ، وما أن ذهبت جمهرة من محبّيها إلى السري يخبرونه بعزمها ، ويسألونه أن يتوسّل إليها في العدول عن عزمها ، حتّى انتقل السري إليها يستعطفها ويرجو بقاءها بمصر . فقالت له : إنّي كنت قد اعتزمت المقام عندكم ، غير أنّي امرأة ضعيفة ، وقد تكاثر الناس حولي ، وأكثروا من زيارتي ، فشغلوني عن أورادي ، وجمع زادي لمعادي ، غير أن منزلي هذا يضيق بهذا الجمع الكثيف والعدد الكثير ، وقد زاد حنيني إلى روضة جدّي المصطفى صلّى اللّه عليه وآله . فقال لها السري : يا ابنة رسول اللّه ، إنّي كفيل بإزالة ما تشكين منه ، وسأمهّد لك السبيل ، وأهيّئ لك ما فيه راحتك ورضاك ، أمّا ضيق المنزل فإن لي دارا واسعة بدرب السباع ، وإنّي أشهد اللّه تعالى أنّي قد وهبتها لك ، وأسألك أن تقبليها منّي ، ولا تخجليني بردّها عليّ . فقالت بعد سكوت طويل : إنّي قد قبلتها منك ، ثم قالت : يا سري ، كيف أصنع بهذه الجموع الكثيرة ، والوفود الغفيرة ؟
--> ( 1 ) . السري بن الحكم بن يوسف ، مولى بني ضبة ، وأصله من بلخ ، وقد ولي إمرة مصر بإجماع الجند وأهل مصر على الصلاة والخراج معا ، وذلك في مستهل شهر رمضان سنة مائتين بعد عزل المطلب بن عبد اللّه الخزاعي عنها ، وقد سكن العسكر على عادة أمراء مصر ، وكان السري أميرا جليلا ، معظّما في الدول وفي الأعمال ، وتنقّل في البلاد ، وقد توفّي سنة خمس ومائتين ، فولي ابنه محمد إمرة مصر بعد وفاة أبيه ، فكان على غرار أبيه إلى أن توفّي سنة ست ومائتين ، فوليها أخوه عبد اللّه بن السري ، وقد بقي في ولايته إلى أن عزله المأمون في ربيع الأول سنة إحدى عشرة ومائتين .