مجموعة مؤلفين
236
أهل البيت في مصر
نفيسة وانتقلت إلى تلك الدار ، فلم ينقطع عنها الزوّار ، وانهال عليها الناس من كل حدب وصوب ، من طلّاب الحاجات ، وراغبي الدعوات ، وملتمسي النفحات والبركات ، ويعودون جميعا وقد استجاب اللّه دعاءها ، وقضى لهم حاجتهم ، وكشف كروبهم . وقد كان يجاور بيت أم هانئ رجل من اليهود ، يقال له : أبو السرايا أيّوب بن صابر ، وله بنت مقعدة . وفي يوم من الأيام توجّهت بها أمها إلى السيدة نفيسة واستأذنت في بقائها في حماها إلى أن تعود من حمامها ، فتركتها في ردهة الدار ومضت إلى الحمّام ، حتى إذا جاء وقت صلاة الظهر نهضت السيدة نفيسة لوضوئها والبنت القعيدة ترقبها ، وتستشرف إلى ما تصنعه السيدة ، وكان ماء الوضوء يجري في مجرى بالردهة إلى بئر تحت عتبة الدار ، فألهم اللّه عزّ وجل البنت إلى أن تزحف من مكان قعدتها وتصل إلى ذلك المجرى زاحفة ، وأخذت في تقليد السيدة فيما تفعله من غسل وجهها ويديها ورجليها ، وما أن غسلت رجليها من ذلك الماء الذي يسيل في المجرى من فضل وضوء السيدة نفيسة ، حتى كأنّما نشطت من عقالها ، وزال عنها كساحها ، وشفاها اللّه سبحانه وتعالى ممّا بها ، فنهضت قائمة مسرعة في الخروج إلى الدرب ، خارج الدار تلعب مع لدّاتها ، والسيدة في شغل عنها بعبادتها وصلاتها . فلمّا حضرت أم البنت إذ بها تجدها وقد زال عنها ما أقعدها وهي قائمة على قدميها ، كأنّه لم يكن بها شيء ، فاحتضنتها وهي نشوانة ، مأخوذة ممّا رأت شفاء بنتها وعافيتها ، فسألتها عن أمرها ، فأخبرتها بجلية الأمر ، وما كان من غسلها رجليها من فضل ماء الوضوء ، فبكت الأم بكاء شديدا ، وقالت : لا ريب في أن دين تلك السيدة الشريفة هو الدين الصحيح ، ودخلت على السيدة في خشوع وخضوع ، وإجلال واحترام ، ووقفت بين يديها تحيّيها ، ثم نطقت بالشهادتين ، وأخلصت للّه رب العالمين ، وشكرت للسيدة صنيعها وجميلها ، وحمدت اللّه عزّ وجل على أن أخرجها من الظلمات إلى النور ، وأنقذها من الضلال إلى الهدى . ولمّا حضر والد البنت - وكان من كبار قومه ، وسراة عشيرته - ورأى وحيدته