ابن سبعين

79

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

ودليله أنه أعلم الخلق باللّه ، والدرجة التي هناك لا تقاس بما بعدها ، وإن تعددت فإن المجموع لا يقوم منه ما يساوى ، فإن الذوات لا تتحد ، فاعلم . وأيضا إذا قلنا : إنه أفضل من إبراهيم فالمرتبة أو الدرجة التي يفضله بها أي شيء يقاس بها لا بدّ لها من تنظير تنظر معها ، ثم سلمنا أنه أرفع الأنبياء منزلة في الجنة ، والكل دونه فلا ينفع ما عظم واجتمع ، فإنه مع ما هم فيه ينظر إليهم من تحت . فاعلم ذلك ولا تقس الأمر فيه بالمحسوس ، فتقول : هو صاحب ألف درهم في التمثيل ، وهم من مجموع الكل منهم ، وإن كان لكل واحد منهم مائة جملة . قيل : ما الأمر الذي نحن فيه هذا يشابهه ، فإنك هناك تقيس الأمر بقدره وهي درجة عند اللّه ، فاعلم . وأما النور الثالث والعشرون : وهو نور التفضيل : فهو يكشف له صلّى اللّه عليه وسلّم على قدره بالنظر إلى الرسل عليهم السلام ، ومقر له بأنه سيد ولد آدم عليه السّلام . وقول اللّه تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ، فنحن في الأمم مثله هو في الأنبياء والرسل عليهم السلام . وأما النور الرابع والعشرون : وهو نور الإحاطة : فهو يكشف له أنه عين المعنى المجموع الذي إليه تصل العناية العلمية والعملية ، ومع كل محمود محترم يشار إليه فهو الذي أحاط بها ، وجميع ما تفرّق في الأنبياء اجتمع به وله ولأمته وفي ملته صلّى اللّه عليه وسلّم . وأما النور الخامس والعشرون : وهو نور الحصر : فهو النور الذي يكشف له عن الخواص عن المراتب وعن المنامات حتى عن أقصر ما يمكن . فإذا قدرنا أنه نالها لا يجد أحد بعده ما يطلب مثل ما تقول يتيمة الدهر عند الملك لا يملكها أحد معه كذلك القول فيه ، فله الوسيلة والدرجة الرفيعة ، فهذا هو الحصر فإنه الذي ملك الأوفى من الكل . وأما النور السادس والعشرون : وهو نور العلامة والدلالة : فهو الذي كشف له صلّى اللّه عليه وسلّم صورة منتظرة ومعتبرة ، فإن الكتب نطقت به ، وكذلك الصنائع العلمية كلها حتى الكهانة .