ابن سبعين
64
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
فإن الشّطح الصادر عنهم منه ما وقع منهم في حال السكر والغيبة بواردات الأحوال ، والسكر سبب مباح يسقط التكليف بالشرع بالشرط المعروف في كتب الفقه ، ومنه ما صدر منهم على سبيل الحكاية عن اللّه عز وجلّ . قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في « عوارف المعارف » : وما يحكى عن أبي يزيد قوله : ( سبحاني ما أعظم شاني ) أن يعتقد في أبي يزيد أنه يقول ذلك إلا على معنى الحكاية عن اللّه عز وجلّ . قال : وهكذا ينبغي أن يعتقد في الحلاج قوله : ( أنا الحق ) « 1 » . وممن قال أن هذا القول صدر عنه في حال السكر الشيخ عبد القادر الكيلاني ، ومنه ما أمروا به ، فصدر عنهم امتثالا للأمر ، ويكون ذلك الأمر تنويها بفضلهم ، وبيانا لعلوّ
--> ( 1 ) قلت : وقيل لأبي القاسم الجنيد قدّس اللّه روحه : إن أبا يزيد يسرف في الكلام . قال : وما بلغكم عن إسرافه في كلامه ؟ قيل يقول : « سبحاني سبحاني ما أعظم شاني » . فقال الجنيد : إن الرجل مستهلك في شهود الإجلال ، فنطق بما استهلكه ؛ لذهوله في الحق عن رؤيته إيّاه ، فلم يشهد إلا الحق تعالى ، فنعته ، فنطق به ، ولم يكن من علم ما سواه ولا من التعبير عنه ضنّا من الحق به ، ألم تسمعوا مجنون بني عامر لما سئل عن اسم نفسه ؟ فقال : ليلى ، فنطق بنفسه ، ولم يكن من شهوده إيّاه فيه ، وقيل له : من أنت ؟ قال : أنا من ليلى ومن ليلى أنا . وانظر : روضة الحبور ومعدن السرور في مناقب الجنيد وأبي يزيد طيفور ( بتحقيقنا ) . وقال الشيخ أبو النصر السراج رحمه اللّه : وقد قصدت بسطام فسألت جماعة من أهل بيت أبي يزيد عن هذه الحكاية فأنكروا ذلك ، وعلى تقدير صحة ذلك ، فنقول : قوله سبحاني سبحاني على معنى الحكاية عن اللّه عز وجلّ أنه يقول : سبحاني سبحاني لأنا لو سمعنا رجل يقول : لا إله إلا أنا فاعبدني ، لا يختلج في قلوبنا شيء غير أنا نعلم أنه هو ذا يقرأ القرآن ، أو هو يصف اللّه بما وصف به نفسه ، وكذلك لو سمعنا دائما أبا يزيد وغيره وهو يقول : سبحاني سبحاني ، لم نشك أنه يسبح اللّه ويصفه بما وصف به نفسه . وكذا قال : الشيخ شهاب الدين السهروردي في العوارف : وما يحكى عن أبي يزيد قوله : سبحاني حاشا للّه أن يعتقد في أبي يزيد أنه يقول ذلك إلا على معنى الحكاية عن اللّه تعالى . قال : وهكذا ينبغي أن يعتقد في الحلاج قوله أنا الحق . وانظر : كتابنا في الإمام الجنيد قدس سره .