ابن سبعين

33

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

يتصور فيه إلا ذلك لا أنه يصير هالكا في وقت من الأوقات لأن كل ما سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم صرف ، وإذا اعتبرت من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأول فهو موجود لا من وجهه وذاته ، بل من الوجه الذي يلي موجده فيكون الموجود هو وجه اللّه فقط وحينئذ فلكل شيء وجهان وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه فهو باعتبار وجه نفسه عدم ، وباعتبار وجه ربه موجود ، فإذا لا موجود إلا اللّه ووجهه كما قال : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] يعني فليس بهالك . وهؤلاء يفتقروا لقيام القيامة ليسمعوا نداء الباري لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار ، بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبدا ، ولم يفهموا من معنى قوله اللّه أكبر أنه أكبر من غيره حاش اللّه إذ ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه ، بل ليس لغيره رتبة المعية ، بل رتبة التبعية ، بل ليس لغيره وجود إلا من الوجه الذي يليه ، فالوجود وجهه فقط ، فمحال أن يكون أكبر من وجهه ، بل معناه أكبر من أن يقال له أكبر بمعنى الإضافة والمقايسة ، وأكبر أن يدرك غيره كنه كبريائه نبيا كان أو ملكا بل لا يعرف كنهه إلا هو تعالى . الثالثة : أهلها بعد ما عرجوا إلى سماء الحقيقة ، ولم يروا في الوجود تحقيقا إلا الواحد الحق وأفعاله ، لكن منهم من كان له هذا الحال عرفانا علميا ، ومنهم من صار له ذلك ذوقا حاليا ، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية استغرقوا في الفردانية المحضة واستلبت فيها عقولهم ، فصاروا كالمبهوتين فيها ، ولم يبق فيهم متسع لذكر غير اللّه ، ولا لذكر أنفسهم أيضا ، فلم يكن عندهم إلا اللّه ، فسكروا سكرا وقع دون سلطان عقولهم ، فقال أحدهم : أنا الحق . وقال الآخر : سبحاني ما أعظم شانى « 1 » . وقال الآخر : ما في الجبة إلا اللّه . وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى ، فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان اللّه في الأرض عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد ، بل يشبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه : أنا من أهوى ، ومن أهوى أنا .

--> ( 1 ) انظر : روضة الحبور ومعدن السرور لابن الأطعاني ( ص 80 ) بتحقيقنا .