ابن سبعين

30

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

وفي الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كان اللّه ولا شيء معه ، وكان اللّه وحده بلا شيء » « 1 » . وفي « الإحياء » في كتاب المحبة والشوق في ترجمة بيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة اللّه تعالى ما نصه : وأما من قويت بصيرته ولم تضعف منته : أي قوته ، فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا اللّه تعالى ، ولا يعرف غيره ، ويعلم أنه ليس في الوجود إلا اللّه تعالى ، وأفعاله أثر من آثار قدرته ، فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة دونه ، وإنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها ، ومن هذه حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ، ويذهل عن الفعل من حيث أنه سماء وأرض وحيوان وشجر ، بل ينظر فيه من حيث أنه صنع الواحد الحق ، فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره ، كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه ، ورأى فيها الشاعر والمصنف ، ورأى آثاره من حيث أنه أثره لا من حيث أنه حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض ، فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف ، وكل العالم تصنيف اللّه تعالى ، فمن نظر إليه من حيث أنه فعل اللّه ، وعرفه من حيث أنه فعل اللّه وأحبه من حيث أنه فعل اللّه ، لم يكن ناظرا إلا في اللّه ، ولا عارفا إلا باللّه ، ولا محبّا إلا للّه ، وكان هو الموحد للحق الذي لا يرى إلا اللّه ، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه ، بل من حيث أنه عبد اللّه ، فهذا هو الذي يقال فيه : إنه فني في التوحيد ، وإنه فني عن نفسه أيضا ، وإليه الإشارة بقول من قال : كنا بنا ففنينا عنا ، وبقينا بلا نحن . انتهى منه ، وقد نقله السيوطي أيضا في « تأييد الحقيقة العلية » . وفي كلام بعض العارفين أبى المحققون أن يشهدوا غير اللّه ، لما حققهم به من شهود القيومية ، وإحاطة الديمومية . وقال بعضهم : لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع ؛ فإنه لا غير معه حتى أشهده معه . ومن كلام مولانا عبد السلام بن مشيش لوارثه أبي الحسن الشاذلي : حدد بصر الإيمان

--> ( 1 ) سيأتي تخريجه والكلام عليه .