ابن سبعين

25

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

المحققين من أهل الكشف والنظر أيضا ؛ إذ المجعول هو الموجود فما لا وجود له لا يكون مجعولا ، ولو كان كذلك لكان للعلم القديم في تغير معلوماته فيه أزلا أثر مع أنها غير خارجة عن العالم بها ، فإنها معدومة لا نفسها ، لا ثبوت لها إلا في نفس العالم بها ، فلو قيل بجعلها لزم إما مساواتها للعالم بها في الوجود ، أو أن يكون العالم بها محلّا لقبول الأثر من نفسه في نفسه ، وظرفا لغيره أيضا ، وكل ذلك باطل ؛ لأنه قادح في صرافة وحدته سبحانه أزلا ، وقاض بأن الوجود المفاض عرض لأشياء موجودة لا معدومة ، وكل ذلك محال من حيث أنه تحصيل للحاصل ، ومن وجوه أخر لا حاجة إلى التطويل بذكرها فافهم ، فثبت أنها من حيث ما ذكرنا غير مجعولة ، وليس ثمة وجودان كما ذكر بل الوجود واحد ، وهو مشترك بين سائرها مستفاد من الحق سبحانه وتعالى . ثم إن هذا الوجود الواحد العارض للممكنات المخلوقة ، ليس بمغاير في الحقيقة للوجود الحق الباطن ، المجرد عن الأعيان والمظاهر ، إلا بنسب واعتبارات ، كالظهور والتعين والتعدد الحاصل له بالاقتران ، وقبول حكم الاشتراك ، ونحو ذلك من النعوت التي تلحقه بواسطة التعلق بالمظاهر انتهى المراد منه بلفظه ، وقد نقله ببعض حذف منه الجامي في « الدرة الفاخرة » . وفي « لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام » في الكلام على الأمر الوحداني ما نصه : هو المشار إليه بقوله تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] ، وأمره الواحد عبارة عن تأثيره الوحداني بإفاضة الوجود الواحد المنبسط على الممكنات القابلة الظاهرة به ، والمظهرة إياه متعددا متنوعا بحسب ما اقتضته حقائقها المتعينة في العلم الأزلي ، وذلك لأن الحق من حيث وحدة وجوده لا يصدر عنه إلا واحد ؛ لاستحالة إيجاد الواحد من كونه واحدا ما هو أكثر من واحد إلا أن أرباب النظر العقلي من الفلاسفة ، يرون أن ذلك الواحد هو العقل الأول ، وعلى قاعدة الكشف هو الوجود العام ، وينبغي أن تعلم أنه ليس المراد بالعموم أنه كلي ، لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه ، فإن ذلك مما لا يصلح أن يكون موجودا في الأعيان ، بل المراد بالعموم اشتراك جميع الممكنات في أنه هو المفاض عليها ، المضاف إليها ما وجد منها ، وما لم يوجد مما سبق العلم بوجوده ، وهذا