ابن سبعين

249

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

هذه المسألة ، ولم يقفوا فيها على نصّ غير محتمل يقطع النزاع ويرفع الخلاف . وقالوا : إن القطع فيها بأمر يخاف أن يوقع في أحد شيئين : إما في استنزال سيد الكائنات صلّى اللّه عليه وسلّم عن قدره الرفيع ، وجنابه العلي المنيع ، وإما في سوء الأدب مع اللّه تعالى بتسوية بعض مخلوقاته به ، وذلك أيضا يسوء المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ويؤذيه ، ولذا حذر من مثله في قوله : « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، إنما أنا عبد ، فقولوا : عبد اللّه ورسوله » « 1 » . وحينئذ فالتوقف وتفويض الأمر إلى اللّه تعالى فيها أولى وأسلم في عاقبة المرء ، ورد الأمر إلى اللّه تعالى في مواطن الاشتباه من العلم ، ومن الرأي السديد في الدين . هذا مع اعتقاد أنه عليه السّلام نال من ربه المكانة التي لا مكانة فوقها ، والرتبة التي لا يمكن أن ينالها بشر ومخلوق سواه ، وأنه سيد الكائنات ، ومفخر أهل الأرض والسماوات ، ونقطة الكون ، وعروس المملكة ، وأصل الوجود ، ومادة كل موجود صلّى اللّه عليه وسلّم ، وممن نحا إلى هذا صاحب « نشر المثاني في أهل القرن الحادي والثاني » ، وهو الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن الطيب القادري الحسيني الفاسي ، وذلك في ترجمة التاجموعتي بعد ما ذكر كلاما له في هذه المسألة يصحح فيه رأيه فيها ويرد القول بخلافه ونصه : ولا خلاف بينه وبين من حاجه من أهل فاس في أنه صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم كثيرا من الغيب مما يتعلق بالدنيا والآخرة ، ويعلم جميع ما دلّت على علمه هذه الأحاديث - : أي المذكورة في كلامه - وأكثر من ذلك ؛ لأنها لا تدل على الإحاطة بالمعلومات ، ثم قال : وإنما نزاع من نازع في القدر الزائد على ذلك ، واللّه أعلم . ثم الإمساك عن الخوض في هذا الزائد أحسن ؛ لأنه لم ينقل لنا كلام عن أسلافنا فيه ، واللّه أعلم ، مع اعتقاد أنه صلّى اللّه عليه وسلّم بأعلى درجات الكمال في الدرجة التي لا درجة فوقها ، وأنه صلّى اللّه عليه وسلّم سيد الأولين والآخرين ، ولا يعلم قدره إلا خالقه رب العالمين ، قال في « محصل المقاصد » :

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3261 ) .