ابن سبعين
246
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
إن اللّه تعالى أطلعه على جميع علمه في مكوناته لا مطلقا كما يأتي عنهم ، وليسلم من الاعتراض السابق عليه بلزوم التساوي بينه وبين علم اللّه تعالى ، وإن أجيب عنه كما مرّ ، فإن الحق الذي عليه المعول أنه لا مساواة في شيء وبين الحادث وبين القديم الأول . وأما قوله في الحديث : فتجلّى لي كل شيء وعرفته . فيمكن تخصيصه أيضا بالمكونات ، وإذا عمم فيه فيحتمل في الذات العلية وأوصافها على ما مرّ ، أو على ما يليق أن يعلمه أفضل مخلوق ، وأكمله من الخالق ، واللّه أعلم . وأما التكفير في هذه المسألة - أعني مسألة ادعاء الإحاطة في علمه صلّى اللّه عليه وسلّم - فيبعد ، ولا سيما في حق من أجمل في الكلام ولم يصرح بما يفيد العموم الحقيقي والمساواة ؛ لعلم اللّه تعالى وعلى فرض التصريح ، فإنما يظهر لو ادعى أن ذلك حاصل له صلّى اللّه عليه وسلّم من ذاته وبطريق الاستقلال ، أو ادعى قدم علمه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو حدوث علم اللّه تعالى ، أو تماثلهما في الحقيقة والذات ، وهذا لا يدعيه أحد ممن ذكر ، ولا يتفوّه به ، بل ينكره أشد الإنكار ، ويكفر القائل به إذا عرض عليه ، فإن قيل : بعض هذا لازم من قولهم . قلنا : لا نسلم اللزوم كما سبق بيانه ، وعلى تسليمه فهو بعيد لمن قال ولازم القول لا يعد قولا إلا إذا كان اللزوم بيّنا ، وهو هنا غير بين ، وحينئذ فلا يكفر في هذه المسألة بالنسبة لما ذكر أصلا ، فاعرف ذلك وتبيّنه ، وأعرض عما سواه ، وربنا سبحانه وتعالى يمن علينا وعليك برضاه ، آمين . وأفتى بالثالث - وهو أن علمه صلّى اللّه عليه وسلّم محيط بالأشياء ولكن لا كإحاطة علم اللّه تعالى - جماعة ممن نحا نحو التوسط والجمع بين النصوص والأدلة ، وقالوا : إن هذا هو التحقيق وما سواه خلافه . ومما يدل له ما ذكره الشيخ الأكبر في فتوحاته في الباب الخامس والستين وثلاثمائة ونصه : وما ذكر عن أحد من نبي ولا حكيم أنه أحاط علما بما يحوي عليه حاله في كل نفس إلى حين موته ، بل يعلم بعضا ولا يعلم بعضا إلى أن قال : فلا يعلم الأمور على التفصيل