ابن سبعين
23
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
مظاهره صلّى اللّه عليه وسلّم وأنواره المتحدة بالذات ، وإن تعددت بالاعتبارات ، وأن وجوده إنما هو بوجوده صلّى اللّه عليه وسلّم وإمداده المستمد من الحضرة العلية التي هي حضرة الأحدية . وفي « الجامع » لأبي عبد اللّه محمد بن المشري نقلا عن شيخه أبي العباس التيجاني قال : الحقيقة المحمدية هي الكون بأسره فلو رفع الحجاب لم تر إلا الحقيقة المحمدية بارزة وحدها عليها أفضل الصلاة والسلام انتهى . يريد أنها سارية فيه كسريان الماء في العود الأخضر بحيث لو زال هذا السريان لصار عدما محضا في الحال قبل المال ولو زالت هذه المظاهر التي هي الحاجبة عنها لم تر إلا هي بارزة وحدها وإلى هذه الوحدة يشير في « الفتوحات » عقب ما مرّ عنه في الوحدة قبلها بقوله : وهو واحد فما صدر عنه إلا واحد فإنه في أحدية كل واحد وإن وجدت الكثرة فبالنظر إلى أحدية الزمان الذي هو الظرف ، فإن وجود الحق في هذه الكثرة في أحدية كل واحد فما ظهر عنه إلا واحد ، فهذا معنى لا يصدر عن الواحد إلا واحد ولو صدر عنه جميع العالم لم يصدر عنه إلا واحد فهو مع كل واحد من حيث أحديته ، وهذا لا يدركه إلا أهل اللّه ، وتقوله الحكماء على غير هذا الوجه وهو مما أخطأت فيه ، انتهى منه بلفظه . وقد ذهب الأشاعرة والمتكلمون إلى جواز استناد آثار متعددة لمؤثر واحد بسيط لأنهم قائلون بأن جميع الممكنات المتكثرة كثرة لا تحصى مستندة بلا واسطة إلى اللّه تعالى مع كونه منزها عن التركيب والحكماء منعوا هذا أعني جواز استناد الآثار المتعددة إلى المؤثر البسيط الواحد الحقيقي من جميع الجهات ، وقالوا : إنه لا يجوز أن يستند إليه إلا أثر واحد ، وقالوا في معنى ما صدر عن الواحد إلا واحد أن الحق تعالى ما خلق إلا واحدا وهو العقل الأول ، والعقل الأول أوجد الفلك الأول بمادته وصورته ونفسه الناطقة المدبرة له وأوجد العقل الثاني ثم العقل الثاني أوجد فلكه ومادته وصورته ونفس والعقل الثالث ، وهكذا إلى العقل العاشر ، ثم خلق العقل العاشر العناصر الأربعة ، والمواليد الثلاثة بأنواعها الكثيرة ونفوسها وقواها ، وغير ذلك إلى ما شاء اللّه . هذا ما قالوا . وحمل الأكثرون كلامهم هذا على الظاهر من إثبات فاعل ومؤثر غير اللّه تعالى عما لا يليق به وحقق المحقق الدواني في بعض رسائله أن تحقيق مذهبهم أنه لا فاعل في الوجود إلا اللّه تعالى وبين ذلك بالبيان الشافي فلينظر .