ابن سبعين
208
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
منها قصد الأسد إليه ، واستئناسه به ، ومدّه يده إليه ، ووضعها في حجره ، والتماسه منه لقشها ، وإخراج القيح منها ، وعوده إليه ، وإتيانه بوالديه كالمتودّد إليه والشاكر له على جميله ، وحمله إليه الرغيفين كالمجازي له ، وإحضار الخبز في موضع لا يوجد فيه مع كون محضره ليس من أهل الخبز ، وكذلك المخدة التي شوهدت تروّح على الشيخ إبراهيم بن أدهم بالنرجس وهو نائم في البستان ، والظبية التي كانت تأتي بعضهم فيشرب لبنها في بعض البراري ، والطيور التي كانت تؤانسهم في الجبال والقفار ، وتحمل إليهم أنواع الثمار ، وغير ذلك مما امتلأت باليسير منه كتب الحقيقة ، وإنما نبّهت على قطرة من بحار عميقة ، وعلى الجملة فالدنيا كلها تتصور لهم في صورة عجوزة تخدمهم ، وأعظم من ذلك طواف الكعبة المعظّمة بكثير منهم ، وكل ذلك مشهور مذكور بالأسانيد الصحيحة . قال اليافعي في كتابه « نشر المحاسن » : ومن جملة ما اشتهر في بلاد اليمن وربما تواتر عن الشيخ الفقيه إسماعيل الحضرمي : أنه قال يوما لخادمه وهو في سفر يقول للشمس تقف له حتى يصل إلى منزله ، وكان في مكان بعيد ، وقد قرب غروبها ، فقال لها الخادم : قال لك الفقيه إسماعيل قفي له ، فوقفت له حتى بلغ مكانه ، ثم قال للخادم : ما تطلق ذلك المحبوس . فأمرها الخادم بالغروب ، فغربت ، وأظلم الليل في الحال . قال : والمرجوع في هذا كله إلى أصل يجب الإيمان به ، وهو أن اللّه على كل شيء قدير ، وليس الخارق للعوائد بمستحيل في العقل كما تقدّم ، ولا ملتبس بالمعجزات والسحر للفرق بين ذلك . ومن طاعة الجان له ما روي مسندا في كتاب مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني : أنه جاءه بعض أهل بغداد ، وذكر له أن ابنة له اختطفت من سطح داره وهي بكر عمرها ستة عشرة سنة ، فقال له الشيخ : اذهب هذه الليلة إلى خراب الكوخ واجلس عند التل الخامس وخطّ عليك دائرة في الأرض ، وقل وأنت تخطّها : بسم اللّه على نية عبد القادر فإذا كانت فحمة العشاء مرت بك طوائف من الجن على صور شتى فلا يروعنّك منظرهم ، فإذا كان السحر مرّ بك ملكهم في جحفل منهم ، فيسألك عن حاجتك ، فقل له : قد بعثني عبد القادر إليك ، واذكر له شأن ابنتك .